كاميرات السينما في مصر تحتفي بحياة الصمّ وحقوقهم

"ديف فيلم لاب".. فرصة لفاقدي السمع لصناعة أفلام تحكي واقعهم.
الجمعة 2020/09/18
قصص باتت مسموعة للجميع

يعاني فاقدو السمع من تجاهل كبير من قبل أفراد المجتمع ومؤسّساته، ليس فقط على صعيد توفير الخدمات والامتيازات المناسبة، بل أيضا بسبب غياب الدمج المتعمّد لتلك الفئة في مجالات مختلفة من الحياة العملية والاجتماعية بحجة الإعاقة.ورغم وجود فئة ليست بالقليلة من فاقدي السمع الذين يتمتعون بذكاء وقّاد إلاّ أن إبداعاتهم التي يسلط عليها الضوء، على الأقل إعلاميا، غالبا ما تنحصر في الحرف اليدوية والأشغال. وجيه اللقاني فنان مصري يعمل كموزّع ومبرمج سينمائي، استطاع عبر مبادرته الخاصة اختراق تلك الفئة ودمجها في المجتمع عن طريق السينما وصناعتها.

لسنوات طويلة ورغم التزايد النسبي لفاقدي السمع في العالم وخاصة في البلدان النامية، بقيت تلك الفئة مستبعدة تماما عن الأعمال والنشاطات التي يقوم بها الأشخاص الطبيعيون. قلة قليلة حالفها الحظ نتيجة النشأة في مجتمعات وأسر تحترم الأصم وتقدّر ملكاته وتتعامل معه بشكل طبيعي، ففي الكثير من مناحي الحياة يتمّ استبعاد فاقدي السمع عنها، والسينما كوسيلة ترفيهية وإبداعية ليست أولها، ولن تكون آخرها.

قبل أن تتوقّف دورة مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة لهذا العام بسبب فايروس كورونا المستجد كان المهرجان قد أعلن، في بادرة جديدة ومستحدثه، عن وجود تنسيق مع الجمعيات الأهلية العاملة بالإسماعيلية في مجال حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، لعرض أفلام سينمائية إما من صناعتهم أو تدور حولهم، وذلك في إطار استخدام السينما للتوعية بحالاتهم وحقوقهم.

من هناك، برزت ثلاثة أفلام روائية قصيرة من إنتاج مجموعة من شبان وشابات جمعية الصم في محافظة الإسكندرية، فكيف تم إنتاج تلك الأفلام التي عرضت في معهد جوته الألماني في الإسكندرية؟ ومن كان وراء تلك المبادرة الفنية؟

وجيه اللقاني، مبرمج وموزع أفلام سينمائية، أسّس في عام 2013 مبادرة بعنوان “سينما في كل مكان”، وكانت تلك المبادرة التي بدأت نشاطها من مدينة الإسكندرية تعنى أساسًا بعرض وترويج الأفلام السينمائية المستقلة أو البديلة للجماهير بالمجان، تحديدا في الأماكن غير الثقافية، مثل المقاهي والمنتزهات والنوادي وغيرها من الأماكن التي تحتوي على تجمعات ليس هدفها الأساسي الثقافة.

صحيح أن فكرة نقل العروض السينمائية إلى المجتمع في محاولة للتعريف بذلك الفن وأهميته ليست جديدة وخاصة بالنسبة إلى مصر؛ فلقد سبق للمرحوم علي أبوشادي الذي كان يشغل منصب رئيس مهرجان الإسماعيلية للفيلم التسجيلي والقصير أن قام بتلك التجربة لعدة سنوات، بشكل متزامن مع انعقاد المهرجان، وكانت تلك التجربة التي يشارك فيها نقاد مصريون وعرب تلاقي ترحيبا وإقبالا كبيرا ليس فقط من قبل النقاد أنفسهم، بل ومن قبل سكان مدينة الإسماعيلية، إلاّ أن ما يميز تجربة المصري وجيه اللقاني أنها لم تتوقّف على محافظة بعينها، ولم ترتبط بمهرجان سينمائي معيّن أو تظاهرة سينمائية محددة، بل كانت مبادرة واسعة ومتشعبة.

يقول اللقاني الذي يؤكّد عدم معرفته بتجربة علي أبوشادي الشهيرة “تقوم فكرة ‘سينما في كل مكان’ على عرض الأفلام المستقلة، ضمن أي مكان متاح، وخاصة في المحافظات والقرى التي لا تتوفّر فيها قاعات سينما، فنقدّم تلك العروض في المقاهي والجمعيات والنوادي والمراكز الشبابية والحدائق والمدارس، لتتحوّل تلك المساحات إلى قاعات سينمائية أو شبه سينمائية لمدة ساعة أو أكثر، ونقوم في بداية كل عرض سينمائي بتعريف الجمهور بالسينما البديلة وبصنّاع الفيلم، وبعد انتهاء العرض نجري مناقشة سريعة مع الجمهور حول الفيلم”.

سينما بلغة الإشارة

"مش فاهم" يروي يوميات أصم أميّ تواجهه العديد  من المشكلات في التواصل مع الآخرين
"مش فاهم" يروي يوميات أصم أميّ تواجهه العديد  من المشكلات في التواصل مع الآخرين

لم تقتصر تلك العروض على تلك الأماكن، بل تطوّرت الفكرة ليدخل وجيه اللقاني بها إلى مجتمع الصم عبر جمعية الصم الموجودة في مدينته الإسكندرية، وهي أقدم جمعية للصم في منطقة الشرق الأوسط.

وعن ذلك يقول “توجّهت إلى رئيس الجمعية وأعضاء مجلس الإدارة واقترحت عليهم تقديم عروض سينمائية لأعضاء الجمعية من الصم، وبالفعل تمت الموافقة، واخترت في البداية أن أعرض فيلما لا يحتوي حوارا، وكان فيلما قصيرا بعنوان ‘بعيدا عن الحرارة’ للمخرج مينا نبيل. وبعد انتهاء العرض مباشرة، وأثناء المناقشة، حاولت أن أشرح لهم ما تعنيه سينما مستقلة أو بديلة، وكيف تصنعها مجموعة من الشباب ضمن إمكانيات محدودة، فسألني أحد الشباب الصم، كيف لي أن أتعلم تلك الصناعة؟ السؤال بحد ذاته لاقى ترحيبا كبيرا لدى باقي الزملاء من الصم المتواجدين داخل القاعة، الذين سألوا بدورهم أين يُمكنهم تعلم ذلك؟ فوجدت نفسي في حيرة شديدة وخاصة في ظل عدم وجود أي مؤسسة أو جهة في المنطقة تدرّب الصم على صناعة السينما أو الأفلام، ومن هنا جاءت فكرة ‘ديف فيلم لاب’، وهي مبادرة لتدريب الشبان والشابات من فاقدي السمع على صناعة أفلامهم السينمائية”.

لم تقتصر العروض السينمائية على الأفلام التي لا تحتوي حوارا، بل عرض اللقاني أيضا أفلاما تحتوي حوارات يقوم مترجم بترجمتها للصم. ثم لاحقا، ونتيجة الاهتمام المتزايد من قبل الصم بتلك العروض، أدخل عليها لغة الإشارة بشكل رسمي، حيث قام بتصويرها وضمها لنسخة العرض عبر المونتاج، فأسّس لذلك العمل قسما أطلق عليه اسم ‘Film Translation Center’، مهمته ترجمة الأفلام السينمائية المستقلة إلى لغة الإشارة.

ويؤكّد وجيه اللقاني على أنه استعان في تلك التجربة بمترجمين تم اختيارهم من أبناء الصم، ممّن يجيدون الكلام، ولكنهم في الوقت عينه يتعاملون مع ذويهم الصم بلغة الإشارة، لأن ذلك يعني قدرتهم على استخدام اللغتين، وحينها لم تعد العروض التي تقدّمها مبادرة “سينما في كل مكان” مقتصرة على جمعية الصم في الإسكندرية، بل نظمت أيضا عروضا في القاهرة، وعروضا في جمعيات الصم المتواجدة في الصعيد.

رغبة في الاستمرارية

في عام 2018 بدأت فكرة اكتشاف القدرات الإبداعية لدى الصم من خلال تنظيم ورشة للتصوير الفوتوغرافي، عبر محاضرات تعرّفهم بأصول التصوير الفوتوغرافي، ونسب الصور الصحيحة وغير ذلك من المعلومات، لتكون نتيجة تلك الورش صورا يلتقطها المتدرّبون عن مدينة الإسكندرية. ولأجل إتمام الورشة على أكمل وجه، تمت دعوة بعض الشخصيات للتحاور مع المتدربين حول علاقة الأشخاص بالصور، وكان نتاج تلك الورشة معرضا فنيا أقيم في معهد جوته الألماني ولاقى إقبالا جماهيريا واسعا.

وجيه اللقاني: العروض قدّمت أفلاما تحتوي حوارات يقع ترجمتها للصم
وجيه اللقاني: العروض قدّمت أفلاما تحتوي حوارات يقع ترجمتها للصم

لاحقا بدأت فكرة إقامة ورش لصناعة الأفلام من قبل “ديف فيلم لاب” كتلبية لطلب هؤلاء الشبان والشابات من فاقدي السمع. والورشة الأولى التي نتجت عنها في عام 2019 ثلاثة أفلام روائية قصيرة، لم تتجاوز مدة الفيلم فيها سبعة دقائق، وهي من صناعة هؤلاء الشباب، بداية من الفكرة وانتهاء بالمونتاج.

فكان فيلم “صدفة” من سيناريو وإخراج أحمد عبدالسلام، وفيلم “اللعبة” من سيناريو وإخراج فاطمة بلال، بينما الفيلم الثالث المعنون بـ”مش فاهم” كان من سيناريو وإخراج محمد هاشم. وكانت الأفلام بمشاركة كل من المتدربين جمال عبدالله وأماني محمد وإبراهيم أيمن ورضوى رأفت وإسلام أحمد ومحمد محمود وإيمان محمد وأحمد عبدالسلام وباسل جابر ومحمد صبري. وهي أفلام استمدت أفكارها من واقع الصم، وقُدّمت من منظور علاقتها بأصحابها.

ودُعّمت الورشة التدريبية التي أقيمت في جمعية الصم من قبل مؤسسة الصندوق العربي للثقافة والفنون – آفاق، والصندوق الثقافي الذي عُرف لسنوات بمساندته للأفكار الفنية الجديدة، ومبادرة “سينما في كل مكان” التي قدّمت كل معداتها خدمة للتجربة، علاوة على مساهمة كل من جامعة سنجور الفرنكوفونية ومركز الدراسات السكندرية الفرنسي في المبادرة، بينما احتضن العرض السينمائي للأفلام المنجزة من قبل الصم معهد جوته فرع الإسكندرية.

ويقول وجيه اللقاني “نأمل أن تستمر تلك الورش، وأن تتحوّل لاحقا إلى برنامج تعليمي أكثر منه تدريبيا، وتكون نتيجتها أفلاما من صنع فاقدي السمع، وأن ننظم لها عروضا سينمائية ليس فقط في أنحاء مصر، بل وفي المنطقة العربية إن استطعنا ذلك، طبعا”.

ومؤخرا قامت مبادرة “سينما في كل مكان” التي أسّسها اللقاني، ونظرا لتفشي جائحة كورونا وإقفال معظم قاعات العرض التقليدية في مصر، باستحداث منصة جديدة  بعنوان “شوف فيلم”، بهدف عرض الأفلام البديلة والمستقلة من كل أنحاء العالم وليس فقط من مصر، بشكل مجاني عبر شبكة الإنترنت.

16