كاميرات المراقبة في مصر تتحول إلى أداة للتلصص

أجهزة فرضها ارتفاع نسب الجريمة لكنها تنتهك الخصوصية.
الثلاثاء 2021/03/16
تكنولوجيا ذات حدين

كاميرات المراقبة في المحلات التجارية والفضاءات العامة في مصر تكنولوجيا ذات حدين، فمن إيجابياتها أنّها تحمي أصحاب المحلات من السرقة كما تحمي الزبائن وحتى المارة من اللصوص أيضا، إلا أنها في المقابل من الممكن أن تصبح وسيلة تلصص وانتهاك لخصوصية الناس وحريتهم.  

يوم تعرض أحمد ياسين، وهو صحافي مصري يقيم في حي المطرية الشعبي بالقاهرة، لسرقة هاتفه المحمول عندما تركه سهوا بأحد الأكشاك الصغيرة لبيع السجائر، لم يكن يتوقع أنه سيصل إلى اللص في ذات الليلة، حيث فوجئ بأن صاحب الكشك لديه كاميرا مراقبة صغيرة يخفيها وسط البضائع، وبالعودة إلى الشاشة تعرف على السارق.

استلم أحمد نسخة من الفيديو وذهب إلى قسم الشرطة لتحرير محضر بالواقعة مرفقا بها هوية اللص، وبعد ساعات جرى الوصول إلى محل إقامته من خلال صورته الشخصية وتم إدخالها على قاعدة بيانات السجلات المدنية بوزارة الداخلية وجرى ضبطه وبرفقته الهاتف المحمول، وكان في حالة ذهول من سرعة الوصول إليه.

تبدو الواقعة في مجملها صغيرة لكنها تعكس قيمة الاعتماد على كاميرات المراقبة في توثيق الجرائم بغض النظر عن نوعها وطريقتها، فهناك وقائع قتل مروعة كان يصعب على أجهزة الأمن فك طلاسمها والوصول إلى الجناة بدون مساعدة عدسات الكاميرات التي صارت منتشرة في أغلب الشوارع والميادين والمتاجر والبيوت وفي مداخل ومخارج المؤسسات الحكومية والخاصة في كثير من الدول.

قال أحمد لـ”العرب” إنه مع وجود كاميرات المراقبة لم تعد الجريمة عبئا على أجهزة إنفاذ القانون، فالناس أصبحوا يطالبون الشرطة بمحاسبة متهمين معروفين بالاسم ولهم هويات وعناوين سكن محددة، ومن يذهب إلى رجل الأمن يطلب منه ضبط شخص بعينه ويقدم إليه دليل الإدانة، وهو الفيديو الذي سجلته العدسات، وهنا لا مجال للتقصير والمماطلة.

وتذكّر أحمد ليلة القبض على سارق هاتفه المحمول عندما احتشد بعض أصدقاء وأقارب المتهم داخل قسم الشرطة للدفاع عنه بحجة أنه ملتزم أخلاقيا وسيرته حسنة بين الناس، ولا يمكن أن تكون التهمة حقيقية، لكن صدمة هؤلاء ظهرت على وجوههم عندما شاهدوا بأنفسهم شريط الفيديو الذي وثقته كاميرا المراقبة.

اللواء فاروق المقرحي: كاميرات المراقبة أقوى أدلة الإدانة على الأفراد الذين اعتادوا خداع الناس
اللواء فاروق المقرحي: كاميرات المراقبة أقوى أدلة الإدانة على الأفراد الذين اعتادوا خداع الناس 

أدلة توثيق جنائية

يقود ذلك إلى أن كاميرات المراقبة أصبحت دليل إدانة لا يقبل التشكيك فيه عندما يدافع الناس عن المتهم بارتكاب جريمة بعينها بدافع سيرته الطيبة والتزامه الأخلاقي وما يظهر عليه من حسن التعامل مع الآخرين.

وفي حالة الشاب الذي جرى توثيق تحرشه بطفلة في مدخل أحد الأبراج السكنية بحي المعادي بالقاهرة قبل أيام وصار حديث الرأي العام، كان يصعب إثبات التهمة عليه بدون تصوير الواقعة بكاميرا مراقبة، فهو يبدو أنيقا وحسابه الشخصي على موقع فيسبوك مليء بصوره وهو يقف أمام الكعبة ليؤدي مناسك الحج ويبتهل إلى الله.

أمام صعوبة إثبات التهمة التي تحتاج من الضحية لوقائع مثبتة وشهود عيان مثل التحرش الجنسي في الشوارع والميادين وأماكن العمل، صارت كاميرات المراقبة الدليل الثابت الذي يدين المتهم دون محاولة التنصل من الفعل تحت مزاعم الادعاءات الكاذبة من المجني عليه، وهو ما كان يصعّب على جهات التحقيق إثبات الجريمة في ظل صعوبة توثيق واقعة التحرش.

وقال اللواء فاروق المقرحي مساعد وزير الداخلية المصري سابقا إن كاميرات المراقبة أصبحت أقوى أدلة الإدانة على الأفراد الذين اعتادوا خداع الناس بحسن أخلاقهم وتصرفاتهم الحميدة، ولولاها لوصل الاستقطاب المجتمعي مداه وجرى التشكيك في أغلب القضايا التي تتحرك فيها أجهزة الأمن، ولا يمكن الاستغناء عنها أمام ارتفاع معدلات الجريمة المنظمة.

وأضاف لـ”العرب” أن انتشار ثقافة تركيب عدسات المراقبة يعكس حجم وعي الناس بوجود شراكة بينهم وبين الحكومة في تثبيت أركان الأمن ومواجهة الانفلات، ويصعب على رجال الشرطة وحدهم القيام بمهمة القضاء على المنحرفين دون مواجهة هؤلاء بالتكنولوجيا بحكم أنهم يبتدعون سبلا جديدة وعصرية عند ارتكاب الجريمة.

وأقر مجلس النواب المصري قانونا خاصا بضوابط كاميرات المراقبة، وصار الترخيص لأي منشأة أو شركة أو مصنع أو متجر لبيع السلع مرهونا بوجود كاميرات داخلية وخارجية، وارتبط ذلك بمحاولة الحكومة تسريع حصار العناصر المتطرفة والإرهابية والوصول إلى مرتكبي الحوادث المعقدة وضبط التصرفات المخلة.

تعميم المراقبة

Thumbnail

بغض النظر عن أهداف الحكومة، فالناس أصبحوا يعتمدون على كاميرات المراقبة في تحقيق الأمان الذاتي لهم، ويتم تركيبها أمام باب المنزل لرصد تحركات أو تصرفات غريبة لترهيب المنحرفين من ارتكاب سلوك مشين وأنهم سوف يحاسبون بمجرد القيام بفعل مخالف للقانون أو لا يقبله صاحب المكان نفسه، حتى لو كان بسيطا.

من هؤلاء عادل محمد وهو صاحب شركة لتوظيف العمالة بالخارج، حيث قرر شراء عدسة مراقبة حديثة بإمكانها رصد التحركات داخل الشارع الذي يقيم فيه لأنه يخشى تعرض سيارته للسرقة، ويدرك أنه بمجرد حدوث ذلك سيتعرف على اللص في أسرع وقت، ولن يكون بحاجة للانتظار حتى تتعرف أجهزة الأمن على المتهم.

وأكد عادل لـ”العرب” أنه شارك ذات مرة في تحديد هوية متهمين سرقوا متجرا بالمنطقة التي يعيش فيها، واستطاعت الكاميرا المثبتة في شرفة منزله تسجيل تحركات اللصوص وكشف وجوههم بعناية، وذهب من تلقاء نفسه إلى رجال الشرطة وسلمهم شريط الفيديو، مشترطا عدم الإفصاح عن هويته للصوص.

وتعارض بعض الأصوات فكرة تعميم نشر كاميرات المراقبة في كل مكان لما تحمله من انتهاك للخصوصية والتلصّص على تصرفات وتحركات الناس.

ويؤكد هؤلاء أن التحجج بتحقيق الأمان الذاتي لا يجب أن يكون على حساب المجتمع، ولا بد من وضع ضوابط تتلاءم مع وجاهة الفكرة وآليات تنفيذها بشكل يحقق الأمن ويحفظ الحريات العامة.

وحسب القانون المصري لا حرية شخصية في الفضاء العام إذا كان الأمر يتعلق بمكافحة الجريمة ومنع الإخلال بالقانون وفرض قوة العدالة على المتجاوزين بحق المجتمع، لكن المعضلة تكمن في عدم وجود آليات لمحاسبة الأفراد الذين يتعمدون تسريب ونشر مقاطع سجلتها كاميرات المراقبة لأفراد قاموا بتصرفات بعينها بدافع الحرية الذاتية وتسببوا في فضائح لهم.

انتشار ثقافة عدسات المراقبة يعكس وعي الناس بوجود شراكة بينهم وبين الحكومة في تثبيت الأمن ومواجهة الانفلات

أزمة بعض المهووسين بفكرة كاميرات المراقبة في مصر تأتي من أن بعض الأفراد تحولوا إلى حراس للفضيلة وحماة للدين والأخلاق الحميدة، ويستغلون هذه العدسات لتتبع أي تصرف من وجهة نظرهم ضد العادات والتقاليد والأعراف، مثل جلوس النساء على المقاهي، أو لحظة عاطفية بين شاب وفتاة بعيدا عن أعين الناس.

ويصل الأمر إلى درجة الابتزاز أحيانا، وتتم مساومة أحد الأشخاص الذين ارتكبوا فعلا مخلا أو فاضحا بدفع مبلغ مالي نظير حذف مقطع الفيديو الخاص به من كاميرا المراقبة، وهناك حالات سجلتها أقسام الشرطة لمثل هذه الوقائع بينها قيام بعض أصحاب محال بيع الملابس بتصوير فتيات في غرف تغيير الملابس، وكان مبررهم عند القبض عليهم حماية المتجر من السرقة.

وأوضحت سهير لطفي رئيسة المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر سابقا أن إساءة استخدام كاميرات المراقبة في مصر تستوجب وضع عقوبات مشددة حتى لا يتم الخلط بين مكافحة الجريمة والاعتداء على الحريات الشخصية، ولا يتحول الناس إلى أوصياء على بعضهم وكل منهم يمسك بين يديه دليل إدانة على الآخر، ما يتطلب وضع أخلاقيات لاستعمال العدسات.

ولفتت في تصريحات لـ”العرب” إلى أن أهم ميزة في كاميرا المراقبة أنها صارت وسيلة ردع للمجرمين وتجعلهم في حالة ارتباك وتردد تجاه ارتكاب أي فعل يحاسب عليه القانون، لكن الأهم أمام هذه الأفضلية ألا يتجاوز الأمر الحد المسموح به ويصل إلى انتهاك الخصوصية، لأن تلك التصرفات المشينة تشوه علاقات الناس ببعضهم وتجعلهم حذرين في كل تعاملاتهم.

غرام بالتلصّص

Thumbnail

أزمة الكثير من المهووسين بفكرة المراقبة أنهم ينتهجون هذا السلوك بشكل سري، ولا يعترفون بحق الآخرين في معرفة وجود كاميرات من عدمها، وبالتالي من الطبيعي أن تحدث تصرفات غريبة أو شاذة بحكم سيكولوجية النفس البشرية، وهنا تكون المعضلة الحقيقية بأن أغلب من يتعرضون للتصوير لا يدركون مسبقا أن العيون عليهم وكل تحركاتهم موثقة.

المشكلة أنه حتى لو جرى سن عقوبات مشددة على أي فرد أو مؤسسة تقوم بتسريب فيديوهات لأشخاص لمجرد ارتكابهم فعلا يتعارض مع أخلاقيات المجتمع وليس له علاقة بمسألة أمنية بدافع إلحاق الفضيحة بهم، فإنه قد يصعب معاقبة المتهم الحقيقي باعتبار أن أغلب المنازل والمتاجر والمؤسسات الموجودة بمكان الواقعة بها كاميرات، وبالتالي تتعدد جهة التسريب.

ويرى المؤيدون للرقابة أنه يجب إلزام أي منشأة عامة أو خاصة بتعريف الناس بوجود كاميرات في المكان، حيث يكون ذلك بمثابة جرس إنذار لهم ضد التفكير في ارتكاب أي فعل يعرضهم للمساءلة، وتكون لهم حرية الاختيار بين المجازفة والإقدام على التصرف غير القانوني، أو مراجعة أنفسهم والارتعاد من المحاسبة، أو وضعهم تحت مقصلة انتهاك الخصوصية.

وأشارت سهير لطفي إلى أن التعريف بوجود مراقبة في حد ذاته وسيلة ردع لمن يفكر في الإقدام على أي خطوة سيئة، فتنخفض معدلات الجرائم والحوادث، وبذلك يتحقق الغرض من الكاميرات بأن يكون هناك التزام وانضباط وأمان اجتماعي، مؤكدة أن “أي مكان تكتب عليه لافتة توحي بوجود عدسات مراقبة يصعب أن يشهد جريمة، لأن هذه العبارة تعني العقاب”.

سهير لطفي: إساءة استخدام الكاميرات تستوجب وضع عقوبات مشددة
سهير لطفي: إساءة استخدام الكاميرات تستوجب وضع عقوبات مشددة

ما يلفت الانتباه أن بعض أرباب الأسر صاروا يستخدمون كاميرات المراقبة داخل المنزل لمراقبة تصرفات أبنائهم عندما يتغيبون عنهم لفترة طويلة بحكم طبيعة العمل بدافع ترهيبهم بعدم القيام بأفعال تتناقض مع طبيعة التربية التي نشأوا عليها، وهو انتهاك للخصوصية بطريقة مبالغ فيها غالبا ما تكون لها تداعيات سلبية على التكوين الشخصي للأبناء وعلاقاتهم بالآباء.

وتغذي هذه التصرفات تنامي الشعور بالشك والريبة بين عناصر الأسرة، فالأب لا يثق في أولاده، وهم لا يبادلونه الإحساس بالأمان، لأن الحياة العائلية بهذا الشكل غالبا ما تكون قائمة على الترهيب والتهديد بالعقوبة، لا الترغيب والإقناع ولغة الحوار، في مؤشر يعكس حجم الاستخدام السلبي من جانب شريحة في المجتمع لفكرة المراقبة وكيفية تطبيقها والاستفادة منها.

وتتجاوز خطورة تركيب كاميرات مراقبة داخل المنزل شعور أفراد العائلة بأنهم يعيشون في سجن، بل يتخطى الأمر ذلك وقد يصل حد التجسس على الأسرة من جانب الفنيين والتقنيين المتخصصين في المهنة من خلال احتفاظهم بالرقم السري للكاميرا عند تركيبها بالمنزل، ما يتيح لهم الوصول إلى محتواها وهم جالسون في أي مكان، خاصة لو كانت مرتبطة بالإنترنت.

ومعروف أن كل كاميرا مراقبة يكون لها اسم مستخدم ورقم سري عند شرائها، وفي بعض الأحيان لا يتم تغييرهما من جانب المشتري قبل بدء الاستخدام لجهله بهذه المعلومة، ويستطيع صاحب المحل أو التقني مشاهدة كل التسجيلات التي صورتها الكاميرا بمجرد إدخال شفرتها على جهاز كمبيوتر ومن أي مكان دون أن يعرف صاحبها مكان وموعد اختراقها.

وبات انتشار ثقافة الرقابة الذاتية توجها مطلوبا لمكافحة الجريمة وتوفير الأمان، لكن الأمر يتطلب جملة من الضوابط، حيث تتحقق المنفعة الشخصية والعامة دون تلصص أو اعتداء على الحريات، أوتتحول الكاميرات من وسيلة للطمأنينة إلى أداة لاهتزاز صورة المجتمع وتكريس الفضيلة بقوة الترهيب من الفضيحة.

20