كاميرا المراقبة في الأماكن العامة.. عين ساهرة وأخرى متلصصة

ظهور غريزة التملّك عند الإنسان، أوجد الحاجة إلى الحراسة، التي تقتضي بدورها المراقبة كإجراء احترازي أو دفاعي، لا يخلو من مسألة احتكار العنف والسلاح، وما ينجر عن ذلك من مخاطر وجدل على الصعيدين القانوني والأخلاقي.
الثلاثاء 2016/08/09
انتهاك للخصوصية أم مراقبة

كان الإنسان ولا يزال منذ نشأته رقيبا ومراقبا، وذلك بحكم الحاجة التي استحالت إلى طبيعة ثانية، ومع تطور مفهومي المجتمع والدولة، باتت المراقبة ضرورة، وحاجة تمليها قوانين التعايش وتداخل المصالح، والرغبة في العيش المشترك.

الإنسان لم يضف شيئا جديدا إلى نظام المراقبة الذي يحكم حياته، سوى أنه طوّر في الوسائل والتقنيات، فكلب الحراسة أو الحارس البشري قد أضيفت إليهما وسائل أخرى للدعم والتدعيم، وجاءت كاميرا المراقبة كواحدة من هذه الوسائل. الحديث عن جدوى كاميرا المراقبة، يأخذ أبعادا متشعبة مع تسارع وتيرة الحياة العصرية، وفي ظل انتشار ظاهرة التطرف والإرهاب وتنامي العنف والجريمة المنظمة في المجتمعات العربية، أصبحت كاميرات المراقبة من الضروريات الأمنية المهمة في شتى الأماكن، نظرا لما يتعرض له الأشخاص من حوادث كالتحرشات والسرقات في الخارج، او حتى قضايا أسرية ومشكلات تخص الأطفال وسلوك البعض من العاملات داخل المنازل، وكثيرا ما تثير مسألة استخدام آليات المراقبة الجدل لدى الكثيرين، وتتباين بشأنها ردود الأفعال بين مؤيد ومعارض، فهناك من يقرّ بأنها غدت أولوية في الوقت الراهن وفريق آخر يرى أنها انتهاك لخصوصية الفرد وتقييد لحريته في أغلب الأحيان.

وعلى سبيل المثال، فقد أثار تركيب بلدية بإحدى الضواحي في العاصمة التونسية مؤخرا لكاميرا تراقب مصبّا عشوائيا لتجميع الفضلات، جملة من ردود الأفعال، تراوحت بين استحسان هذه المبادرة والمطالبة بتدعيمها، وبين من ذهب في اتجاه الالتزام بتطبيق النصوص القانونية المتعلقة بحماية المعطيات الشخصية، وضبط استعمال وسائل المراقبة البصرية في الفضاءات العامة. ولئن كانت ردود أفعال أغلب مواطني الجهة مشجعة لهذه الخطوة فإنّ رئيس الهيئة التونسية لحماية المعطيات الشخصية، شوقي قداس، قد دعا إلى التقيد بالشروط والضوابط المنظمة لكيفية تثبيت وسائل المراقبة البصرية، ممّا خلّف جدلا في كيفية الملاءمة بين وجاهة الفكرة، وآليات التنفيذ، خاصة أمام الفراغ القانوني المتعلق بالبعض من طرق المراقبة.

ويضيف رئيس الهيئة الحقوقية أنه لا يوجد قانون يشرّع للهياكل العمومية تثبيت كاميرات مراقبة في الشوارع والطرقات العمومية، معتبرا ذلك اعتداء على الحرية الشخصية للأفراد ومساسا بخصوصيتهم، كما يؤكد على ضرورة الدفع نحو سنّ تشريعات قانونية يتمّ على أساسها تنظيم هذه العمليّة، مشيرا إلى أنّ الجهة الرسمية المخوّل لها القيام بعملية المراقبة، هي الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية.

يقول الباحث في علم الاجتماع إبراهيم نصر “بغض النظر عمّا يمكن أن تشكله هذه الكاميرا لدى الفرد من وضع نفسي يتسم بالحرج والإرباك، فإنه من حق أي شخص أن يحميه القانون من أي تدخل قد يطال حقه في الخصوصية، ولأن هذه الكاميرات تهدف إلى الحماية من السرقات، فهي قد تنحرف عن غايتها، وتستهدف في جوانب معينة، الحق بالخصوصية الفردية، لذلك كان من الواجب أن تتكفل الدولة بقانون إجراءات لتنظيم استخدام هذه الكاميرات، والجهة التي تشرف على العملية”.

كاميرات المراقبة، تتشعّب وتتشابك إيجابياتها مع سلبياتها في مختلف الاتجاهات والميادين، فكاميرا مراقبة واحدة كانت كفيلة بفضح الاحتلال الإسرائيلي دوليا، وكشف جرائم مستوطنيه، وهذا ما حدث عندما قامت مؤسسات دولية بنشر تسجيل فيديو، التقطته كاميرا مراقبة لأحد المواطنين الفلسطينيين قرب معسكر عوفر غرب رام الله، لحادث إطلاق النار وقتل الطفل نديم نواورة من رام الله، فعين الكاميرا والتسجيل أثبتا زيف الرواية الإسرائيلية التي ادّعت أن الطفل نواورة كان يهاجم جنود الاحتلال لدى مقتله، في حين أنه أصيب بطلق ناري من قناص إسرائيلي دون وقوع مواجهات.

وللوقوف على مختلف الاتجاهات حول استخدام كاميرات المراقبة بالأسواق والأماكن العامة والمدارس وغيرها، نحاول أخذ آراء شرائح مختلفة من الأفراد والمختصين وأصحاب الأعمال، والمجمعات التجارية، وكذلك من التربويين وعلماء النفس والاجتماع.

وجاءت آراء المواطنين حول استخدام كاميرات المراقبة في المنازل والأسواق والمعارض والأماكن العامة بين مؤيد ومعارض، لكنّ الشروط والتحفظات كانت حاضرة في كل الآراء المؤيدة والرافضة على حدّ سواء.

وسيلة ردع وكشف وأمن لا غنى عنها

التعرف إلى القادم وتذكر المغادر

حلاق في حي شعبي بمدينة تونس، جهّز محلّه الذي لا تتجاوز مساحته مترين مربّعين بكاميرا مراقبة، أسوة بجاره بائع العصير، والذي لم ينس أن يعلّق تنبيها بالخط العريض كتب عليه “انتبه.. المحل مجهّز بكاميرات مراقبة” وسألناه عن الغاية والجدوى من هذه الرقابة الإلكترونية الصارمة في دكان يتناول فيه زبائنه العصير “واقفين” ويدفعون الحساب فور الاستلام؟ فأجاب “يحدث أن أدير ظهري فيلوذ زبون بالفرار أو يناولني أحدهم قطعة نقدية مغشوشة أو يجادل أحدهم في حجم ونوعية الكوب الذي شربه أو..” قطعنا تبريراته بأن ناولناه ثمن العصير، فأرانا صورة مكبّرة للقطعة النقدية على شاشته مبتسما، وقد التقطت من كاميرا مثبتة في سقف دكانه.

ثمة تعلّق واضح بكاميرات المراقبة، بلغ حدّ الهوس، وتجاوز المؤسسات الإدارية والفضاءات التجارية الكبرى، ووصل إلى المقاهي والدكاكين الصغيرة، حتى أنّ حارس البناية الشعبية منكبّ على شاشة طوال الوقت، يراقب الداخل والخارج، وهيئة الزائرين من أربع جهات، ليعطي في ما بعد تقريرا مفصّلا ومدعّما بالصورة لصاحب البناية، وقال في معرض حديثه عن هذا “الاختراع الرهيب” كما يسميه “حدث أن سرق أحدهم كاميرا مراقبة في مدخل البناية، فالتقطته كاميرا أخرى مخفية ومثبتة في الأعلى”.

ممّا لا شك فيه أنّ كاميرات المراقبة أصبحت ضرورة أمنية وتدبيرا احترازيا للأفراد والمؤسسات مع تطور العصر وما يحمله من تعقيدات.

يقول أستاذ في الهندسة الكهربائية بجامعة امبريال كوليج في لندن “الموضوع بدأ توفيرا للبشر، فعين واحدة على 10 كاميرات بدلا من 10 حراس على 10 بوابات”، وتتجه التقنيات الحديثة إلى إنتاج كاميرات تطلق النار تلقائيا في حال استشعار الخطر، كما لم يبد المتحمسون لاقتنائها أي تحفظات في مسألة التعرّض للخصوصيات واقتحام الحرمات والحريات الشخصية، بل يؤكدون أن لا خصوصية لمن ينتهك الخصوصيات، أمّا من يلتزم السلوك القويم فعليه أن يقبل بهذه الضريبة البسيطة، مقابل العيش في أمن وأمان.

وعن مسألة التشهير واستخدام هذه المعطيات الشخصية لأهداف ابتزازية وغيرها، يقول صلاح وهو أستاذ تعليم ثانوي، بأنّ المسألة أخلاقية بحتة، فلا يمكن التضحية بالجانب الأمني في سبيل الحمل على التوقعات أو الفرضيات السلبية، فمن يسعى إلى راحة وأمن عائلته، عليه أن يقبل بهذا الأسلوب المتطور في المراقبة والحراسة، ثمّ إنّ هذه الآلة الرقمية لا تنحو منحى بشريا سلبيا إلاّ في كيفية استخدامها والاستفادة منها.

عين واحدة على 10 كاميرات بدلا من 10 حراس على 10 بوابات، وتتجه التقنيات الحديثة إلى إنتاج كاميرات تطلق النار تلقائيا في حال استشعار الخطر

استخدام الكاميرات في البيوت لمراقبة الأطفال في غياب الأهل أصبح أمرا شائعا، خصوصا لدى الموظفين والذين يغيبون فترات طويلة عن منازلهم، وتكثر ظاهرة استهتار عاملات البيوت المستقدمات من بعض دول آسيا في الخليج العربي على وجه الخصوص، وفي هذا الصدد تقول مريم (موظفة) “من الضروري مراقبة الخدم لأنهم حين يعلمون أنهم مراقبون فسوف يردعهم ذلك عن الخطأ والاستهتار”، بينما ترى نادية أنه لا مانع من وضع كاميرات في البيت لمراقبة الخدم، وذلك بشرط أن يتمالك الشخص أعصابه عند رؤيته لبعض الأمور البسيطة التي قد لا تعجبه، وهي تفضل وضعها دون علم من الذين نودّ مراقبتهم.

وبدورها، ترى هيفاء (ربة بيت تونسية) أنه في هذا العصر تعتبر المراقبة ضرورية جدا لأن من يأتون إلى الخدمة في المنازل من دول مختلفة، لهم عادات وتقاليد لا تمت بصلة إلى المجتمع، كما تأسف لانعدام الرقابة من الجهات المختصة عن ملفات العمــالة الأجنبية.

تبدي غالبية الأفراد، ضرورة وجود الكاميرات في الأماكن العامة، والتأكيد على أنّ توفر المراقبة يعطي ثقة وطمأنينة لدى الجميع، حيث قالت إحدى السيدات “أؤيد وجود الكاميرات في المجمعات، حيث أنها تردع من تسوّل له نفسه أي فعل سيء، وأيضا تحفظ حقوق أصحاب المحلات من السرقة وغيرها، ولكن يجب ألّا تكون في الأماكن الخصوصية مثل غرف قياس الملابس ودورات المياه”. وتشاطرها الرأي في ذلك صديقتها التي تؤيد وجودها في جميع المجمعات التجارية والأسواق المغلقة للحفاظ على أرواح مرتاديها من العنف والتعدّي، وأضافت أن الكاميرات هي الدليل الوحيد لإثبات تعدّي أيّ شخص على غيره بالقول أو الفعل أو السرقة أو غيرها مما يهابه الناس، بدورها أيّدت الطالبة فاطمة وجود الكاميرات في كل مكان حتى مراقبة دوام الموظفين والطلبة، وخصوصا في الأماكن التجارية، وذلك لكثرة جرائم القتل وازدياد التحرشات الجنسية، ولا سيما أن المراقبة تردع من يقدم على أيّ خطوة سوء، وبالتالي تقلل من نسبة الحوادث والعنف.

طريقة تلصص وإرباك وتعد على الحرمات الشخصية

كاميرات المراقبة عيون لا تنام ولا تدمع أيضا

مراقبة الآخرين وتتبع أفعالهم دون علم منهم، ودون موجب قانوني واجتماعي محدد، تشبه فعل من يتلمّس أجساد الناس دون أن يكون طبيبا في عيادة، أو أن يكون رجل أمن في نقطة تفتيش، وحتى هذا الأمر -أي الفحص اليدوي- لم يعد مستساغا مع تطور أجهزة المراقبة والاستشعار عن بعد، فما بالك بالتلصص على الآخرين دون ضرورة أمنية أو صحية ملحّة.

أغلب الذين يقفون ضد انتشار كاميرات المراقبة، يستثنون المسألة الأمنية من كل جوانبها، وهم يفضلون وجود كاميرات المراقبة في الأماكن التي تقتضي ضرورة مراقبتها لاعتبارات تخص السلامة العامة، كالمسالك المرورية والنقاط الحدودية، بينما يرفضون كل أشكال المراقبة الرقمية في الأماكن التي تأخذ شيئا من الخصوصية، كالمقاهي والمطاعم، وذلك لأن الفرد يبحث عن راحته فيها مع من يريد الالتقاء بهم بعيدا عن الأنظار والمتطفلين.

وتحدث الكثير من الناس عن حالات خطيرة وحسّاسة، انتهكت فيها الحرمات الشخصية والخصوصيات، وتسببت في مشكلات اجتماعية داخل الأسر وفي أماكن العمل، ووصف رمزي وهو موظف، كثرة وجود كاميرات المراقبة بالوباء المتفشي، وقال إنها حالة من العدائية المباشرة، وأورد مجموعة من الأمثلة التي تسببت في الطلاق وفقدان العمل واهتزاز الصورة الاجتماعية لأشخاص التقطت لهم صور وهم في أوضاع حميمية وخاصة.

م.ن. (نادل تونسي) تحدث عمّا أسماه “فضائح” لشخصيات اجتماعية معروفة في المطعم الذي كان يعمل به، وقال إنّ صاحب المطعم يقضي الساعات الطويلة وهو يستعيد ما صورته الكاميرات، وأضاف النادل الذي طلب عدم ذكر اسمه أنه ترك عمله بسبب هذا الأمر، عندما حذّر بعض زبائنه من السيدات، من وجود كاميرات في دورات المياه، وعلم صاحب المطعم بذلك فطرده.

يقول شريف مبروك وهو أستاذ جامعي في قسم الفلسفة بكلية الآداب بمنوبة التونسية “إنّ مجرّد الإحساس بأنك مراقب، يغير من سلوكك وطريقة تفكيرك، ويزيد من إرباكك، وقد يجعلك عدائيا وفي حالة تأهّب، كآلية دفاعية، تمليها الطبيعة البشرية، علاوة على الوضع القانوني الذي مازال فيه بعض التنازع في النظم والتشريعات بين الدول، ولم يحسم بشكل نهائي”.

ويضيف مبروك “التلصّص على الآخرين ومراقبة سلوكياتهم وأفعالهم دون علم منهم، جريمة يعاقب عليها القانون، وترفضها المنظومات الأخلاقية والتشريعية في كل المجتمعات، ولذلك وجب تحديد الموجب القانوني وعدم ترك الأمور على عواهنها”.

التلصص على الآخرين ومراقبة سلوكياتهم وأفعالهم دون علم منهم، جريمة يعاقب عليها القانون، وترفضها المنظومات الأخلاقية والتشريعية

كاميرات المراقبة طالت كل المؤسسات والفضاءات العامة والخاصة تحت ذرائع وتبريرات كثيرة، مثل المدارس في مراقبة العملية التعليمية، وقالت المعلمة مريم “إن زرع كاميرات المراقبة داخل الفصول هو إيحاء بشكل مباشر إلى عدم وجود الثقة بالنسبة إلى المعلم أو الطالب، كما أن المراقبة لا تبني السلوك الإيجابي لدى الطالب والقيم والأخلاق الحميدة لديه بصورة حقيقية”.

الجهات الدينية لها وجهات نظرها وآراؤها حول المراقبة الرقمية دون علم أصحابها، وإن كانت في البعض منها مثالية طوباوية، فخطيب جمعة بالكويت ياسر يوسف قال “الأصل في الإنسان أن يجعل من ربه رقيبا عليه في خلواته وجلواته، فإن لم يردعه ذلك عن ارتكاب الأخطاء ومخالفة ربه، فليجعل من عذل الناس ولومهم وعقوبة القانون زاجرا له عند اقتراف المنهيات، فإن أعجزه ذلك فليكن ضميره وصوت عقله وقلبه الباطني مكابح، تقف به عند حدود الدين والقانون والآداب الاجتماعية، وهذا هو الأصل وعلى هذا النسق، ينبغي أن يسير الإنسان بنفسه الأمارة بالسوء في تأديبها، وكفها عن المخالفات، ولكل نفس طبيعتها، ولكل منها رادع ترتدع به، والمهم أن نصل بالنفوس إلى درجة عالية من الالتزام وقلة الأخطاء، فيسمو المجتمع بأبنائه وتتقدم الأمم بشعوبها في سلم الحضارة والمدنية والتقدم”.

هذا ويشتكي العديد من المواطنين القاطنين بالقرب من الشركات والمنشآت التجارية المراقبة بالكاميرات، من انتهاك خصوصيتهم عبر تسجيل تحركاتهم، ورصدها بشكل متواصل، ممّا يشكّل إرباكا وضغطا نفسيا مستمرين.

12