كاميرا تتجول بين السائرين في المدن والجالسين على رمال الصحراء

كثيرا ما شدّ أدب الرحلات القرّاء لما يتميز به من تشويق وما يتضمنه من معلومات عن أغلب مظاهر العيش والحياة، وعن عادات وتقاليد الشعوب والأمم المنسية. ولعل كتب الرحالة القادمين من الغرب أثرت المكتبات العربية بعد ترجمتها فكانت شاهدة على ما تزخر به البلاد العربية من مظاهر حياة ظلت بالنسبة إليهم مجهولة لكن وجدوها ممتعة وطريفة في الوقت ذاته، ممّا أثار شغف العديد من الكتّاب والروائيين فتنقلوا عبر فيافيها وبواديها وصحاريها واقتحموا مناطق وعرة وخطرة حبّا في المغامرة والاستكشاف لنقل الواقع كما هو دون زيف أو تبديل.
الثلاثاء 2016/03/08
المدينة تحكي قصصا غريبة

المستعرب الياباني نوبواكي نوتوهارا في كتابه الصادر عن دار الجمل بنسخته العربية الموسومة بـ“العرب، وجهة نظر يابانية”، يختصر تجربته التي امتدت لأكثر من أربعة عقود متواصلة لصيقا بالمجتمع العربي في مدن مختلفة طاف بها بعد أن اقتحَم ثقافة الشرق الأوسط بمحض الصدفة عند دخوله إلى قسم الدراسات العربية في طوكيو منذ افتتاحه.

يرمي الكاتب بكاميراه التي تلزمه بموقِعِه كسائحٍ عليه أن ينبهرَ بسحر الشرق وعمقه ليكون واحدا من السائرين في حنايا المدن والجالسين على امتداد الصحراء وفي البوادي مترامية الأطراف.

المواجهة الصادمة

يضعنا الكاتب الياباني في كتابه، الواقع في 140 صفحة، مباشرة في مواجهة صادمة مع ذاتنا العربية من خلال مقارنة شفافة واضحة بين الثقافة العربية والثقافة اليابانية، وذلك من خلال أحد عشر قسما ختمها نوتوهارا بقوله “باختصار أريد أن أقول للقارئ العربي رأيا في البعض من مسائِله كما أراها من الخارج كأي أجنبي عاش في البلدان العربية وقرأ الأدب العربي واهتمّ بالحياة اليومية في المدينة والريف والبادية”.

ينطلق الكاتب من معادلة تحليلية في سردِه للتفاصيل الغريبة التي واجهها في حياة الآخرين، تلك اليوميات التي يعيد إنتاجها في قالب أكاديمي بحثي، موظفا خلاصة معارفه عن الشرق لشرحها من خلال علاقات شخصية مع كتّاب وأكاديميين عرب، تلك العلاقات شكلت في الكتاب نقاط ارتكاز في مشاهداته الخاصة، فأدرك نوتوهارا منذ البداية غياب العدالة الاجتماعية في الواقع العربي.

الكاتب يضعنا في مواجهة صادمة مع ذاتنا العربية من خلال مقارنة شفافة واضحة بين الثقافتين العربية واليابانية

يرى الكاتب أن القمع بمختلف مستوياته هو السبب الرئيسي الذي تختفي تحت مظلته كل التفاصيل الصغيرة التي تشكل مفردات غياب العدالة الاجتماعية، ويوضح ذلك من خلال حياة الأطفال ونظام التعليم والحياة العملية والاقتصادية والسياسية والأدبية، يذكر ذلك بصفة عامة دون الدخول في لعبة أسماء المدن والأماكن خوفاً -كما يقول- من أن يتمّ منعه من دخول تلك البلدان أو وضع اسمه على قائمة ترقُّب الوصول.

القمع بوابة الأزمات

نوتوهارا الذي ترجم للعديد من الأدباء العرب بعضا من أعمالهم إلى اليابانية كغسان كنفاني ويوسف إدريس وإبراهيم الكوني، يستحضر القضية الفلسطينية من خلال زاوية الرواية اليابانية التي تعتمد على وسائل الإعلام الغربية مستغربا من غياب الرأي العربي الذي يخاطب الآخرين بلغتِهِم، في ذات السياق يبحِر في الواقع الذي أراد تشريحَه من زوايا عدة عبر التركيز على فهم علاقة الجزء بالكل في ما يعني المحيط العام، ويحلل آلية اتصال الفرد بالجمهور ضمن السلم الاجتماعي الذي تحكمه القوة، ذلك الفهم للتفاصيل لا يقتطع منها البعض من الواقع ولا ينتزع حكاية من سلسلة قصص بل يعتمد في السرد على آلية السيرة المتكاملة التي تبدأ بغياب العدالة الاجتماعية وتنتهي بالقمع كنتيجة حتمية.

عبر بوابة “ثقافة الأنا وثقافة الآخر” يدخل نوتوهارا عوالم الصحراء العربية فيروي أيامه مع بني خالد في بادية الشام، تلك العوالم التي يحذر من الفهم المسبق لها دون اكتشافها، يقف هنا طويلا أمام الصورة النمطية للعرب البدو في العقلية اليابانية أو الأوروبية عموما، ويظهِر جوانب لا يمارسها إلا أهل الصحراء، منتقدا الحياة الحديثة التي اختصرت ذلك العالم في نظرة عامة فقط.

مواجهة صادمة مع ذاتنا العربية

سرد الذات

يستحضر الكاتب المولود في طوكيو عام 1940 نماذج عاشها طيلة فترة اندماجه بالثقافة العربية فيعبر مطارات العديد من الدول ويصف بدقة كيف تمارس السلطة بقدراتها العجيبة عمليات ابتزاز المسافرين أو القادمين، ويقارنها بتجارب أخرى لذات الأشخاص في بلدان أخرى تقع خارج المحيط العربي. ومن الإنصاف بمكان القول إن المستشرق الياباني لا يتهجم على العرب أو على الثقافة العربية وإنما يتناولهما من جانبٍ نقدي بحت يقوم على المحاكمات الموضوعية من خلال المعرفة الواسعة التي بدأت مع الشعر والأدب وانتهت بالالتصاق بعموم الناس، أولئك الناس الذين يسعى الكاتب إلى سبر آلية عيشهم وتأقلُمهم مع الواقع الصعب الذي يصفه “بالقابل للانفجار في أي لحظة”، وهو هنا لا يقدّم نفسه بوصفه العارف العالم وإنما نراه بعباءةِ الناقد الباحث عن مكامن الهشاشة في بنية الثقافة العربية، تلك الهشاشة التي قامت في أصلها على فكرة القمع ومصادرة الحريات.

يقوم الكاتب اليابـاني نوبـواكي نـوتوهـارا بسبر للذات اليابانية التي يحملها في جيناته، وذلك محاولة منه لإبراز آثار الثقافة العربية فيه، فيروي أحداثا خاصة جرَت في بيوت الأصدقاء من كتاب وفنانين وشعراء وأكاديميين، ويسحب تلك الأحداث عبر الزمان والمكان لتحط رحالهـا في مراكز الشرطة والجمعيات التعاونية وبوابات المطارات والمؤسسات الإعلامية والتعليمية المختلفة، فكان في كتابِه -الأول من نوعِه في اختصاصه “العرب، وجهة نظر يابانية”- ساردا لنفسه، معيدا إنتاجها في مواقف معيشة، وعلى مدى سنوات عـديـدة، ليعتـرف في النهـاية أنّ فهـم الحياة العـربية حديثـا لا يكـون عبـر الأدب، بل يقوم في بوادره الأولى على الاحتكاك المبـاشر.

14