كانت شيرين في الرياض

الثلاثاء 2017/10/17

قبل أقل من سنة استطاعت الحملات الاحتسابية التي قام بها بعض رجالات الدين أن توقف حفلات غنائية لمحمد عبده وراشد الماجد وماجد المهندس وآخرين في مدن سعودية مختلفة بسبب قوة اللوبي الصحوي. لم يعرف أحد -ساعتها- الأسباب الحقيقية وراء إلغاء الحفلات المعلنة، لكن الجميع كان يعرف السبب، وإن غاب عن منصات التصريحات الرسمية، غير أنه حضر صريحاً، غير مواربٍ، في مواقع التواصل الاجتماعي.

لم تمض سنة على هذا النزال القديم الحديث بين تيار الصحوة والتيار الليبرالي المتمثّل في رغبة كلا الطرفين في بسط نفوذه، ومد يده إلى أقصى ما يمكنه، وفرض سطوته على صناعة جزء من القرارات المتعلّقة بصيغة الحياة الاجتماعية والتربوية والثقافية في البلاد.

الآن، ومع حزمة كبيرة من التغييرات السيادية التي تقوم بها السعودية أصبح هذا الصراع جزءاً من التاريخ الذي سيدرّس ذات يوم، فخلال أشهر قليلة مضت رُفِع الحظر المفروض على المرأة في قيادة السيارة، وأُقر مشروع صارم لمكافحة التحرش، وهنالك حديث جاد عن فتح صالات للسينما، وعن توقف إغلاق المحال التجارية في أوقات الصلاة، وعن قرارات ربما تغيّر نظام الأحوال المدنية المتعلّق بولاية الرجل على المرأة، وعن السماح لها بالسفر من غير إذن ولي أمرها. هذا بالإضافة إلى مشاريع كثيرة وضعت على طاولة القيادة السعودية تنتظر الحل النهائي الذي عجزت عنه جلسات مجلس الشورى السعودي خلال سنوات طويلة من الجدال.

إذاً، وضمن هذا السياق المتحوّل، ربما لم يعد مستغرباً أن نقرأ إعلاناً في الصحف المحلية من إحدى الجهات التنظيمية في السعودية عن حفل غنائي، يأتي للمرة الأولى في تاريخ المملكة، ستشارك فيه المطربة المصرية شيرين عبدالوهاب في الرياض في 31 أكتوبر الجاري، وسيعود ريعه (قيمة التذكرة من 1000 حتى 3000 دولار) لجمعية “سند” للأطفال المرضى بالسرطان.

هذا الإعلان المشروط بالحضور النسائي كان أشبه بجملة كاشفة تقرأ مستقبلاً متسارعاً باتجاه سعودية جديدة “متعلمنة” لا يربطها بزمن الصحوة سوى التاريخ. فالصراع الذي امتدّ منذ 1980 حتى مطلع عام 2017 أصبح شاهد قبر في صحراء قاحلة تنتظر المطر.

لكن هذه القراءة لم يقدّر لها البقاء، إذ سرعان ما تداعت أبجدياتها مع خبر آخر يفيد بإلغاء حفلة شيرين دون ذكر أسباب واضحة لهذا الإلغاء، وكأن التاريخ يعيد نفسه كل عام.

هل ما زال التيار الصحوي قوياً، وهل ما زال رجال الأعمال المتدينون الميالون لتيار الصحوة راغبين في دعمه عبر الحيلولة دون استمرار أي مشروع فني أو ثقافي يروه انتصاراً لخصومهم؟

يبدو أننا ما زلنا على منصة الفرجة، وأن الطرفين لا يزالان قادرين على تحريك بيادقهما والضغط على المؤسسات والهيئات في سبيل استمرار مشروعهما، الأمر الذي يعيدنا إلى المربع الأول رغم كل التغييرات الواضحة التي تعيشها البلاد مؤخراً.

كنت سأقول لو لم تلغ الحفلة إنه ربما يصح للجيل 1980 – 2017 أن يردّد مع الشاعر العربي القديم “ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار”، وأن الجيل السعودي القادم سيعتبر ذلك كله تاريخاً قد انتهى. لكنني سأنتظر قليلاً.

شاعر سعودي

14