كان السينمائي يفتتح دورته الـ71 بفيلم إسباني لمخرج إيراني

"الكل يعلم" عمل سينمائي لا يرتفع إلى مستوى أعمال المخرج الايراني أصغر فرهادي السابقة.
الخميس 2018/05/10
خسارة جماعية

جاء افتتاح الدورة الـ71 من مهرجان كان السينمائي بفيلم إسباني للمرة الثانية منذ أن افتتح بفيلم “تعليم سيّئ” للمخرج الشهير بيدرو ألمودوفار عام 2004، والفيلم بعنوان “الكل يعلم” Everybody Knows، وهو من إخراج الإيراني أصغر فرهادي الذي حصل من قبل على أوسكار أحسن فيلم أجنبي عن فيلم “البائع”، الذي عرض في مسابقة كان قبل عامين وفاز بجائزتين عن السيناريو والممثل، كما حصل قبل ذلك على جائزة الأوسكار عن فيلمه “انفصال نادر وسيمين” الذي كان وراء شهرته العالمية.

وفيلم “الكل يعلم” من الإنتاج المشترك بين إسبانيا وفرنسا وإيطاليا، إلاّ أنه يروي قصة عن عائلة إسبانية، وتدور الأحداث في إسبانيا، يجسّدها ممثلون إسبان وممثل أرجنتيني واحد، وينطق بالإسبانية التي لا يعرفها المخرج الإيراني الذي كتب رغم ذلك، سيناريو الفيلم، لذلك نعتبره فيلما إسبانيا من ناحية الهوية.

سر الاختفاء

“الكل يعلم” فيلم من أفلام الأسرة، أي أنه يبدو للوهلة الأولى قادما من عالم فرهادي الذي ألفناه في أفلامه السابقة خاصة “انفصال نادر وسيمين”، و“الماضي” و“البائع”، وهو شأن هذه الأفلام الثلاثة ينطلق من مأزق ما تواجهه الأسرة ويتعين على أفرادها تحديد موقفهم، وربما أيضا اتخاذ قرار صعب ينتج عن مواجهة الذات بالحقيقة التي كانت خافية منذ سنوات.

إنه يطرح في الأساس سؤالا أخلاقيا، حول ماذا يمكن للمرء أن يفعل عندما يجد نفسه أمام اختيار: أن يرفض الماضي ويتعامى عنه، أو يقبله ويعترف به ويفقد بالتالي جزءا من كرامته أو ربما كرامته كلها، بل ويدمّر حياته الزوجية، من أجل أن يحافظ على تقدير واحترام المرأة التي كان يرتبط بها عاطفيا في الماضي؟

المشكلة الرئيسية في الفيلم تتعلق بالسيناريو الذي يبدأ بداية جيدة، لكنه سرعان ما يسقط في التقليدية

وسؤال الاختيار الإنساني يقابله في الفيلم دور القدر وفكرة الإيمان بقدرة العناية الإلهية على التدخل في الوقت المناسب لوضع حد للمعاناة الإنسانية، في مقابل رفض الفكرة والاعتماد على المال لحل المشكلات، أي على وسيلة مادية تماما في مواجهة اليقين الديني الغيبي.

نحن أمام امرأة هي “لاورا” (بينيلوبي كروز) متزوجة من رجل أرجنتيني هو “أليخاندرو” (ريكاردو دارين)، لديهما ابنة في سن المراهقة هي “إيرين” وطفل في السادسة من عمره.

تذهب لاورا بصحبة الطفلين لزيارة أسرتها في قرية بالقرب من مدريد وحضور حفل زفاف إحدى فتيات الأسرة، وهناك تلتقي بـ“باكو” (خافيير بارديم) الذي كانت ترتبط معه بعلاقة غرامية طويلة في الماضي، لكنه أصبح الآن متزوجا من “بيا” (باربره ليني) التي لم تنجب له أطفالا.

وذات ليلة تكتشف لاورا اختفاء ابنتها إيرين التي تعاني من ضيق في التنفس، من المنزل كله، ويبدأ الجميع في البحث عنها خاصة باكو الذي يسعى بشتى الطرق للعثور على أي دليل يؤدي إلى إنقاذها، خاصة أن العصابة التي اختطفتها تطالب بفدية مقدارها 300 ألف يورو، وتهدّد بقتلها في حالة إبلاغ الشرطة أو التقاعس عن دفع المبلغ.

وسرعان ما يحضر أليخاندرو زوج لاورا من الأرجنتين، تستعين لاورا وباكو بضابط شرطة متقاعد للاستفادة من خبرته، فيوجه الشرطي العجوز أسئلة تلقي بظلال من الشك على الجميع: باكو وأليخاندرو وأفراد الأسرة جميعا، خاصة وأن باكو يمتلك قطعة أرض خصبة كان قد اشتراها بثمن بخس من لاورا في الماضي، والآن أصبح زوج لاورا عاطلا عن العمل منذ سنتين، ويعتقد والدها العجوز أنه يتعين على باكو رد الأرض أو دفع فارق الثمـن، أما شقيق لاورا “فرناندو” فهو حائر في الأمر، بينما تبدو ابنته “ماريانا” التي أنجبت طفلا من شاب لا تعرفه، حائرة توحي تصرفاتها بالشك.

أسئلة محيرة

أم ملتاعة
أم ملتاعة

من الذي يمكن أن يكون قد اختطف الابنة إيرين ويطالب بالفدية؟ وكيف يمكن إنقاذ الموقف؟ وهل ما سيكشف عنه المأزق الذي يقع فيه الجميع حينما يبدؤون في تبادل الشكوك، يمكن أن يساهم في نوع من “التكفير” عن الذنب بالمعنى الأخلاقي؟ من الذي سيكسب ومن الذي سيخسر في نهاية المطاف؟ أم أن الجميع سيصبحون من الخاسرين؟

رغم أن الفيلم يدور على مستوى العائلة وتناقضاتها الداخلية شأن الأفلام السابق الإشارة التي إليها للمخرج الإيراني المرموق، إلاّ أنه يبدو أقرب في الحقيقة إلى سينما الإسباني ألمودوفار.

فبعد أن يدخلنا سيناريو فرهادي في مأزق اختفاء إيرين، ونظل نتابع الاتهامات والشكوك والبحث عن الفتاة والكشف عن الندوب القديمة الكامنة داخل قلوب البعض، والغصة التي يشعر بها بوجه خاص باكو، مع أفكار أخرى متناثرة داخل الفيلم مثل “الأرض لمن يزرعها” في تعبير مجازي عن واقع الطفلة التي ربما تكون ابنة باكو في الحقيقة، وليست ابنة أليخاندرو، وإن كان هو الذي قبل الأمر الواقع وتولى تربيتها وأصبح مرتبطا بها كابنته تماما، إلاّ أن السياق يتجه في ما بعد نحو الميلودراما والمبالغات واستدرار الدموع والكشف عن تعقيدات أخرى للحبكة من خلال قدر لا بأس به من المصادفات والاعترافات، وصولا إلى نهاية شديدة الضعف للفيلم لا تشبع الدراما، ولا ترضي الجمهور.

على الرغم من كثرة الثرثرة في الفيلم والاستطرادات والتكرار والهبوط الذي يشوب الإيقاع العام بعد الثلث الأول من الفيلم، إلاّ أن المستوى الممتاز لمجموعة الممثلين جميعا وخاصة الزوجين بينيلوبي كروز وخافيير بارديم، في خامس لقاء لهما معا في فيلم سينمائي، هو ما يجعل الفيلم يبقى في دائرة الاهتمام، ويدفع المشاهد لمتابعته حتى اللحظة الأخيرة.

إدارة الممثلين

بارديم وكروز أنقذا الفيلم من السقوط
بارديم وكروز أنقذا الفيلم من السقوط

لا شك أن تجربة أصغر فرهادي في إدارة طاقم الممثلين الذين يؤدون باللغة الإسبانية تنجح كثيرا، فالمعروف أن فرهادي أستاذ كبير في إدارة الممثلين، وهو يجيد إخراج الكثير من المشاهد، ويخلق مع مدير تصويره الإسباني خوسيه لويس ألكان، تكوينات بديعة خاصة في المشاهد الليلية: الاحتفال بالزفاف في ساحة القرية، المشهد الذي يدور داخل برج الكنيسة، حيث تلهو إيرين في البداية من صبي مراهق معجب بها.. وغير ذلك.

إلا أن المشكلة الرئيسية في الفيلم تتعلق بالسيناريو الذي يبدأ بداية جيدة، لكنه سرعان ما يسقط في التقليدية وكثرة الشخصيات على نحو مربك أحيانا، مع السقوط في الميلودراما، ولكن دون أن ينجح في محاكاة ميلودرامات المخرج بيدرو ألمودوفار الممتعة التي تدور بين الواقع والخيال.

كانت سيناريوهات أصغر فرهادي دائما تتميز بقدرتها على الكشف عن عنصر جديد في الدراما في كل مشهد، أي أنه ينجح عادة في تكثيف السرد، حيث يجعل موضوع فيلمه متعدّد المستويات، يتعمق فيه بحيث لا تصبح الأحداث الخارجية سـوى “مداخل” إلى قضايا فكرية وفلسفية أكبر من الحدث المباشر نفسه، أي المستوى الأول، الأمر الذي يغيب تماما عن هذا الفيلم الذي يمكن اعتباره العمل الأقل شأنا مقارنة مع أفلام فرهادي السابقة.

و“الكل يعلم” من أفلام المسابقة الـ21 في مهرجان كان، وهو إذن يتنافس على “السعفة الذهبية” وجوائز أخرى في التمثيل والإخراج والسيناريو، ولكن في جعبة المهرجان الكثير من المفاجآت التي سيكشف عنها خلال الأيام القادمة.

لقطات من المهرجان

* للمرة الأولى يفرض المهرجان مشاهدة الصحافيين والنقاد لفيلم الافتتاح في نفس الوقت مع ضيوف المهرجان من السينمائيين وصناع الفيلم ونجومه الحاضرين وعلى رأسهم بينيلوبي كروز وخافيير بارديم وبالطبع المخرج أصغر فرهادي، وهو ضيف دائم على مهرجان كان حتى لو لم يكن له فيلم، وقد تعين على جموع الصحافيين الحاضرين مشاهدة حفل الافتتاح الذي كان يجري في قصر لوميير الرئيسي، على شاشة قاعة العروض الصحافية المجاورة (ديبوسيه).

* أعلن المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي ضيف شرف المهرجان، والممثلة الأسترالية كيت بلانشيت رئيسة لجنة التحكيم، افتتاح الدورة الحادية والسبعين، بعد أن قدّم مدير المهرجان تيري فريمو أعضاء لجنة التحكيم وقدّم الممثل الفرنسي عرضا كوميديا خفيفا على المسرح.

* وزع مهرجان كان على جميع الحاضرين من الضيوف والصحافيين رقم هاتف مخصص للاتصال في حالة تعرض أي شخص لتحرش جنسي من أي نوع في حملة لمقاومة التحرش والاعتداءات الجنسية.

كيت بلانشيت ومارتن سكورسيزي
كيت بلانشيت ومارتن سكورسيزي

* ضجت قاعة الصحافيين بالضحك عندما تقدّمت كيت بلانشيت فارعة الطول من مارتن سكورسيزي القصير الذي أحناه الدهر أيضا، لكي يعلنا معا افتتاح الدورة، وبدت بلانشيت كما لو كانت ستلتهم سكورسيزي المنبهر، وهي تضع ذراعها حول كتفه وتخفض رأسها لكي يردّدا معا عبارة بالفرنسية والإنكليزية لافتتاح المهرجان.

* أبدت كيت بلانشيت رئيسة لجنة التحكيم الدولية امتعاضها بطريقة ما من عدم وجود عدد كبير من أفلام المخرجات في المسابقة، عندما قالت إنها سعيدة بوجود عدد كبير من النساء في لجنة التحكيم، لكنها كانت تأمل في وجود عدد كبير أيضا في المسابقة، وتعتزم بلانشيت مع زميلتها الأميركية في اللجنة كريستين ستيوارت الانضمام لمسيرة لنجوم السينما على البساط الأحمر تعبيرا عن رفضهنّ للتحرش الجنسي في أوساط صناعة السينما.

* تنظر محكمة باريسية في الدعوى القضائية التي أقامها باولو برانكو المنتج البرتغالي السابق لفيلم “الرجل الذي قتل دون كيشوت” الذي سيعرض في ختام مهرجان كان، وهو المشروع الذي ظل يعمل عليه المخرج البريطاني-الأميركي تيري غيليام لسبع عشرة سنة، والسبب أن برانكو الذي سبق له مقاضاة غيليام مرتين دون أن يكسب الدعوى، يطالب غيليام بدفع أربعة ملايين يورو بموجب ما يقول إنه شرط جزائي في تعاقده مع غيليام الذي فسخه الأخير وأنتج الفيلم مع منتجين غيره، وكان المهرجان قد قرّر عرض الفيلم بغض النظر عن التبعات القانونية، وأصدر بيانا يتهم المنتج.

16