"كان" بين أرض وسماء

الجمعة 2014/08/29

الطريق بين مرسيليا وكان، طريقان: طريق سريعة وأخرى بين ثنايا القرى والمحافظات الساحلية الرابطة بين الخلجان اللازوردية.

اخترنا الطريق السريعة، فهي أضمن وأقل تعبا، من حيث التوجيه الدقيق لرفيقنا الخامس، وأعني هنا صوت “الجي بي أس”، ولا بدّ من ملاحظة -أسوة بمقولة سقراط الشهيرة مع بعض التحوير- “لا يدخلن أوروبا من لم يكن متواضعا عالميا”، أي محتكما بنظام التموضع العالمي “الجي بي أس”، فلطرقات أوروبا ثنايا ومنعطفات إن لم تتثبّت منها جيدا وجدت نفسك في طريق مغايرة، فد تفقدك الكثير من الكيلومترات واليوروات وتلف بعض من الأعصاب.

وصلنا أربعتنا إلى “كان”، تاركين رفيقنا الخامس الـ”جي بي آس” يستريح مع السيارة في أحد المستودعات، ونزلنا بفندق من فئة النجمتين، فقط.

فأسعار النزل بكان، “نار.. يا حبيبي نار”، غرفتنا كان رقمها 304، وللمصادفة تقدمنا برقم واحد، عمّا كنّا عليه أثناء إقامتنا بغرفتنا بفندق مرسيليا برادو، والتي كان رقمها 303.

غرفة راقية ونظيفة، مؤثثة بكل ما تتطلبه إقامة عائلة من أربعة أنفار، مطبخ مجهّز بكلّ أجهزة الطهي مع آلة طبخ وثلاجة ونحوها، وبيت استحمام، وغرفة نوم، وقاعة جلوس بطاولاتها وكراسيها الأربعة وتلفازها الكبير المسطّح وأريكتين، إحداهما تتحوّل بسحب بسيط من أسفلها إلى فراش يتسع لشخصين.

بعد استراحة قصيرة من عناء الطريق، نزلنا إلى كان لابوكا، بين مكان إقامتنا والكورنيش، مسافة خمس دقائق على الأقدام.

استقبلنا البحر، بلونه اللازورديّ المميّز، وشاطئه الرمليّ الجذّاب، وحسانه اللاتي يملأنه دلالا وضياء! وقررّنا أمرين، لا ثالث لهما، إمّا أن ننزل البحر، فنعانق موج الجنوب الفرنسي بأجساد أرهقها السهر في ليالي مرسيليا التي لا تنام، أو أن نتمشى الهوينا إلى سرّة كان وقلبها النابض، شارع لاكروازييت أين يقام كل عام مهرجان كان الشهير، فاخترنا الثانية.

بين مون باسون، شارع إقامتنا وشارع لاكروازيت، مسافة ليست بالهينة، لكنّها رائقة إلى أبعد حد، فعلى يمينك البحر وصفاؤه، زائدا الرصيف الذي تعتليه أشجار النخيل، وعلى شمالك الطريق المكتظة بأرقى أنواع السيارات، وبين مئة متر وأخرى تجد أكشاكا راقية، تبيعك المرطبات والمثلجات وما تشتهي من مشروبات، بأسعار أقلّ ما يمكن أن يقال عنها أنها في المتناول.

قبل أن تصل إلى شارع لاكروازيت، يستوقفك أمران أولهما سحر، وثانيهما سحر، مجسم حديدي لزوج من أشهر أفلام الجوسسة الهوليوودية، العميل 007، أو جيمس بوند، مجسدا في شخص شين كونري والحسناء الايطالية دانيلا بيانجي، عن فيلم “من روسيا مع الحب” الصادر سنة 1963.

وجه شين كونري غير موجود، أو هو مقعّر حتىّ يتمكّن من يشاء أن يضع وجهه عوضه، وله أن يلتقط صورا كما يريد، وكيفما اتفق مع غادة هولييود ذات الشعر القصير، هو نوع من التسويق السياحي لثقافة الصورة في بلد الأخوين لوميير.

وفي نفس الإطار، ومع ثقافة التسويق الحديثة التي اكتسحت أوروبا المجتمعات ما بعد الاستهلاكية، تفاجئك بين الفينة والأخرى طائرة، نعم طائرة، تجوب سماء الخليج اللازوردي وقد تدلّت منها لافتة عملاقة، خُطّت عليها علامة تجارية ما، أو إعلان لحدث ثقافي مُرتقب، أو حتى إشهار لسعر مخفّض لدجاجة محمولة تُباع في إحدى المغازات الكبرى بكان الأرض والسماء!

حين مرّ هذا الإعلان الأخير، سألني صاحبي ضاحكا: كم كلّفت هذه الدجاجة المحمولة من الكيروسين؟

قلت مقهقها: صحن سلطة وربع فخذ دجاج لـ”الطيّار”، زائدا مصاريف الشحن!.. أما عن الصندوق الأسود فلا تسأل، فالوجهة معلومة.. كان يا مكان ذات يوم ما، “دجاجة محمولة” على متن طائرة؟!

وللجولة تتمة..

17