كان عندي حذاء

السبت 2016/12/03

لا أحب التسوق كثيراً، فمهرجان الزحام والألوان وديكورات المحال التجارية والموسيقى الصاخبة التي تروّج للبضائع بصورة سيئة، كل هذه الأشياء تصيبني بالدوار وقد تسبب لي صداعاً لا يفارقني إلا بعد مرور أيام على خوض تجربة التسوق، وأقول بأنها تجربة لأن التسوق لم يعد يعني الذهاب إلى السوق لمجرد شراء الملابس والأحذية والحقائب، بل إنها تجربة كاملة من الاحتكاك مع مختلف أنواع البشر؛ التسكع في الشوارع، تناول القهوة أو الطعام وربما الاستمتاع ببعض العروض الموسيقية التي تحييها فرقة متطوعين في الشارع، يحاولون جمع قروش قليلة لشراء ملابس الشتاء لدببة القطب الجنوبي المساكين!

وعلى ذكر ملابس الشتاء، بدأت هذه الأيام مشكلة النازحين في العراق بالتفاقم بسبب قسوة البرد وقلة المساعدات، حتى أن الأمهات في مخيمات النازحين صرن يتوسلّن المحسنين للحصول على علب (كارتون) فارغة لوضع أطفالهن المرتجفين من البرد فيها! فالعلب المربعة أو المستطيلة الشكل، تعمل هذه الأيام كغرف نوم بديلة لأطفال دخلوا تجربة النزوح بكل فظاعتها وهم مازالوا يراوحون بين الولادة وسن الخامسة، ولسان حالهم يقول “هل أكمل.. هل أتعلق بحبال أمل ذائب، أم أن هذا العنوان كاف لإماطة اللثام عن صورة المستقبل المظلم؟”.

أحياناً، يتملكنا الخجل حين نستعرض في ذاكرتنا صوراً مشابهة من الماضي البعيد، لأننا تعثرنا وعبرنا التجربة بسلام، في حين مازال البعض يعيش حبيساً داخل حدود التجربة بكل تفاصيلها المرعبة، لكن بعض الذكريات الأليمة تمسك بتلابيب أرواحنا كلما حان التوقيت المحلي اليومي للاكتئاب وترفض أن تعتقنا لوجه الله.

تذكرت اليوم سبب كرهي الشديد للتسوق، وكنت استرجع حادثة شراء ملابس العيد ذات حرب بعيدة عندما حصلت على فستان بألوان جميلة زاهية، وقضيت أياماً عديدة بعد ذلك في البحث عن حذاء بألوان تتناغم مع لون الفستان من دون جدوى. وبعد أن تملكني اليأس والتعب، عثرت على مبتغاي مصادفة في واحدة من جولات التسوق الكثيرة التي قمت بها في حينها، في محل صغير كان يخبئ في إحدى زواياه حذائي الجميل.

فرحت كثيراً في ذلك اليوم، وكأني حصلت على جائزة وكنت استعرض الفستان والحذاء أمام مرايا المنزل وأوزع ابتساماتي على الجدران بسخاء، في انتظار نهار العيد. لكن القصف العشوائي كان يضاعف من كثافته كلما اقترب الموعد المنشود، وفي ليلة العيد أصبحت أصوات القذائف لا تطاق فاضطررنا إلى مغادرة مدينتنا إلى مدينة قريبة آمنة، وفي ليلة النزوح تلك جمعنا ما استطعنا أن نجمعه من ملابس ومؤونة للحاق بموعد القطار في الصباح الباكر، كنا نعمل ونحن نرتجف من الخوف وبعد أن غاب التيار الكهربائي في حادثة قصف المجهز الرئيس للمدينة، أكملت ترتيب حقيبة ملابسي في الظلام وكنت أجمع قطع الملابس بصورة عشوائية ولم أنس الفستان طبعاً، وحين بحثت عن الأحذية تحت السرير نجحت في دس زوجين منها فقط، على أمل العودة إلى المنزل بعد أيام قليلة. لكني اكتشفت في نهار اليوم التالي وبعد هروبنا إلى المدينة الأخرى، أني لم أجمع سوى أربع فردات من أحذية مختلفة وكانت من ضمنها الفردة اليسرى للحذاء الجديد، حيث تركنا اليمنى خلفنا في البيت المهجور!.. وهكذا قضيت أيام العيد بالفستان الجديد وخف منزلي بفراء سميك وطبعاً، رفضت مغادرة المنزل.

هذه القصة الطريفة تبدو ساذجة وسخيفة، مقارنة مع مشاهد أطفال مخيمات النازحين الذين يتجولون أمام كاميرات التلفزيون وهم حفاة. فأنا على الأقل كان عندي حذاء!

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21