"كان" في خبر كان!

الأحد 2017/06/04

منذ سنتين وفي الندوة الصحافية التقليدية التي يعلن فيها عن قائمة الأفلام الرسمية المشاركة، شكر رئيس مهرجان كان السينمائي الشركات التي ترعى المهرجان شكرا كبيرا وكذلك الماركات وعلى رأسها “لوريال” المتخصصة في مواد التجميل. ولئن كان الجميع يلاحظ ومنذ مدة ذلك الحضور المتعاظم للقوى المالية وتأثيرها على جوّ المهرجان فقد كان اعتراف بيار لسكور العلني بمثابة صدمة لمحبّي السينما ومهرجان كان الذي يعتبره الفرنسيون صرحا من صروح الثقافة الفرنسية المعترف بها عالميا بل هو القلب المحرك للسينما الفرنسية التي باتت تقاوم وحدها الهجوم الذي تشنه سينما هووليود في كل بلدان العالم.

وقد اعتبر بعض الإعلاميين المتابعين للمهرجان تصرف رئيس المهرجان فضيحة كبرى بل ضربة قد تمسّ بمصداقية المهرجان الفنية. فهل ما يزال الفن السابع في مركز مهرجان كان أم أزيح إلى الأطراف؟

منذ بداية التسعينات من القرن العشرين، بدأت تتكشف المصادر المالية الأساسية التي يقف عليها مهرجان كان ولو أن الصحافة الفرنسية ظلت متحفظة تجاه الموضوع لأسباب ذات اتصال حتى بتمويلها هي نفسها فقناة “كانال بلوس” على سبيل المثال هي من مالكي المهرجان بشكل من الأشكال. ومن هنا فليس من الغرابة أن يصبح المهرجان السينمائي الأكثر شهرة في العالم فضاء دعائيا للماركات أيضا يتجاور فيه الممثل والمخرج كلينت إيستود ورجل الموضة كارل لاغيرفيلد وتتعايش فيه صور لا عب الكرة كريستيانو رونالدو المروجة لمثبت الشعر وملصقات أفلام تعالج العزلة والجوع والحروب! لقد أصبح كان موعد إشهار يلتقي فيه من البشر أصناف، البائع والمشتري والباحث عن فرصة العمر التجارية في أكبر تظاهرة سينمائية من المفروض أنها تقام كل عام من أجل تكريم السينمائيين من كل أنحاء العالم وتطوير الفن السابع عموما.

البحث عن شرعية عالمية سينمائية

وفي الحقيقة لقد ولّى إلى غير رجعة ذلك “الكان” الذي كان في سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي مكانا يحج إليه الممثلون والممثلات والمخرجون والمخرجات ليس بحثاً عن نجومية زائفة وإنما بحثا عن شرعية سينمائية عالمية. أما مع ثمانينات القرن العشرين فقد تدخلت التلفزيونات بقوة إذ أصبحت منتجة أفلام وأصبحت “كانال بلوس”، القناة الفرنسية شريكا له كلمته في شؤون المهرجان. وتتعقد أمور المهرجان أكثر في تسعينات القرن الماضي حيث أصبحت العلامات التجارية حاضرة بشكل فاضح وغدت صور ضيوف المهرجان من نجوم الرياضة والسياسة والموسيقى وغيرهم أهم من صور الأفلام وغدا البساط الأحمر في متناول كل من هبّ ودبّ، من نجوم كرة القدم إلى صديقات وأخوات الممثلات والممثلين. فكأنّ المهرجان استقل عن السينما ولم يعد ذلك الحامل لروحها، فلا المنظم ولا الصحافي الحاضر ولا الجمهور القريب أو البعيد، أصبح ينتظر الفيلم المدهش الذي قد يقفز بالفن السابع إلى مرحلة جديدة بل ينتظر الكل فضيحة الدورة كنهد نجمة أو نجيمة تمرّد على قابض النهدين وقبضت عليه عدسات المصورين عاريا أو اسم ممثلة موشوما على ذراع أو ظهر ممثل… وقد تفبرك تلك النوادر من أجل إحداث الضجة الإِشهارية، “البوز” كما تقول اللغة الإعلامية الحالية.

لقد تم إبعاد الكتّاب ونقاد السينما غير المرتبطين عضويا بعالم السينما شيئا فشيئا من لجنة التحكيم الأساسية ولجان اختيار الأفلام المشاركة وخلا الجو تقريبا لمن يعتاشون من السينما، من ممثلين ومخرجين جسدوا على أرض المهرجان ذلك الميل المبرمج إلى تغليب الجانب الصناعي والتجاري على الجانب الفني، وسينما التسلية على سينما المؤلفين، والمشاهير على أهل السينما الحقيقيين.

فهل يسير المهرجان رويدا رويدا في طريقه إلى تسبيق الأموال والأسواق والماركات والفيديوهات على نبل السينما، ذلك الضوء السحري الذي ينير عتمة القاعات والوجود؟

فهل أصبح “كان” في خبر كان؟

كاتب من الجزائر

11