كاهن عراقي يحفظ كنوزا ثقافية نادرة من بطش الجهاديين

مركز ترقيم المخطوطات في أربيل يعمل بالتعاون مع الرهبان البندكتين على استعادة وحماية المخطوطات النادرة التي تم حمايتها من أيدي الجهاديين.
الجمعة 2018/03/09
الأب نجيب ميخائيل ينتظر السلام

بغداد- سعى الاب نجيب ميخائيل من رهبنة الدومينيكان العراقية إلى إنقاذ تراث للمسيحيين في مدينة قرقورش شمال العراق، من قبضة داعش. وتمكن ميخائيل قبل ثلاثة اعوام من إنقاذ كنوز ثقافية كانت على وشك الوقوع في ايدي الجهاديين في شمال البلاد، واليوم يقوم بتدريب عشرات النازحين العراقيين على حماية هذا التراث الانساني.

وبالتعاون مع اثنين آخرين من رهبنة الدومينيكان، قام الاب ميخائيل الذي اختص بداية حياته في الحفر في قطاع النفط قبل ان يصبح رجل دين في سن الـ24، تمكن كذلك من نقل مركز ترقيم المخطوطات الشرقية الى اربيل.

عند حلول الظلام ليل 6 اغسطس 2014 وفيما كان الجهاديون على ابوب مدينة قرقوش المسيحية في شمال العراق، قام الاب ميخائيل (55 عاما) بتكديس مخطوطات نادرة وكتب تعود للقرن السادس عشر ووثائق غير منشورة في سيارته وتوجه بها الى اقليم كردستان المجاور.

وقال ميخائيل "من واجبي إنقاذ التراث الذي نملكه وهو كنز كبير" مضيفا "لا يمكن انقاذ شجرة دون ان تنقذ جذورها، ان الانسان بدون ثقافة انسان ميت".

ويعمل مركز ترقيم المخطوطات الذي أنشئ عام 1990 بالتعاون مع الرهبان البندكتين على استعادة وحماية المخطوطات، وتمكن من ترقيم ثمانية آلاف مخطوطة بينها كلدانية وأشورية وأرمينية الموجودة في الكنائس وقرى في شمال البلاد التي تعرضت للرطوبة ولضرر.

حماية التراث

يقول الاب ميخائيل ان "موقع المركز اليوم في أربيل يضم عشرة عاملين هم نازحون اصبحوا مهنيين يستقبلون باحثين من فرنسا وايطاليا او كندا للتشاور حول الوثائق".

وجميع هؤلاء يحملون شهادات جامعية وفقدوا وظائفهم عند نزوحهم من مناطقهم، لكنهم اصبحوا بسرعة "يعملون من أجل المستقبل ويعرفون ذلك، لذا قدموا كل ما في قلوبهم لأجله" كما يقول الاب ميخائيل مشيرا الى وجود "مسلمين بينهم يقومون بدورهم بحماية تراثهم".

ويوضح الاب ميخائيل انه يضطر في بعض الاحيان للبدء من جديد مع فرق اخرى، قائلا "دربت قبل ذلك اربعة أو خمسة فرق مختلفة" لأن بعض النازحين عادوا الى ديارهم بعد تقدم القوات الامنية وتراجع الجهاديين.

وفي ديسمبر 2017 اعلن العراق الانتصار على تنظيم الدولة الاسلامية الذي استولى على مساحات شاسعة في البلاد في 2014 وقام بعمليات "تطهير ثقافي" عبر تدمير مواقع اثرية ورموز دينية مسيحية ومسلمة.

وعمد الاب ميخائيل الى مضاعفة النسخ، فهناك نسخ أصلية اعيدت الى أصحابها ونسخ رقمت ضوئيا واخرى ثبتت لدى الرهبان البنديكتين مشيرا الى ان ذلك "في حال حدوث أي شي" من جديد.

ويقول الاب ميخائيل ان "تنظيم الدولة الإسلامية لم يختف، ان داعش في العقول وليس في الملابس، لذلك يجب ألا "نعرض ما حفظناه للخطر".

على قائمة القتل

Thumbnail

حتى عام 2007، كان هذا الكنز الثقافي محفوظا في دير وكنيسة الساعة التي شيدت عام 1866، في الجانب الغربي من الموصل. وبينه 850 مخطوطة قديمة باللغات الآرامية والآرامية الشرقية الحديثة والعربية والأرمنية واليزيدية والمندائية، وأرشيف ومراسلات بينها ما يعود للثلاث قرون خلت، اضافة لحوالي 50 الف كتاب، بينها باللغة اللاتينية و الايطالية تعود للقرن السادس عشر الميلادي.

وأطلق اسم الساعة على الكنيسة لان أجراسها تقرع كل ربع ساعة، وهي هدية قُدمت للآباء الدومينيكان عام 1880 من الامبراطورة الفرنسية أوجيني دي مونيتو زوجة نابليون الثالث، مقابل خدماتهم للمدينة.

وأفتتح الدومينيكان 25 مدرسة للتعليم العام في محافظة نينوى، وجلبوا مطبعة على ظهر جمل عبر صحراء سوريا ، كانت الاولى التي تدخل البلاد عام 1857. ولعبت هذه المطبعة دورا في نشر كتب تعليم باللغة الأرامية المتداولة بين سكان المنطقة، اضافة الى طباعة كتب لطقوس وتقاليد كلدانية وسريانية. ومنذ عام 2004، تزايدت الهجمات ضد الكنائس في الموصل ما ادى الى مقتل أسقف وخمسة من الكهنة. ويقول ميخائيل "كنت على قائمة رجال دين (مستهدفين) للقتل".

السلام وليس السيف

من جديد، قرر الاب ميخائيل عام 2007 للانتقال الى قرقوش البلدة المسيحية الكبيرة الواقعة على بعد 30 كيلومترا عن الموصل، ويسكنها حوالي خمسين الاف نسمة. وفي 25 يوليو، دفعت "الهواجس" هؤلاء الدومينيكان الى الانتقال بالكامل الى كردستان، ولم يتركوا وراءهم حينها سوى المكتبة التي انتهى بها المصير حرقا على يد الجهاديين".

وجاءت اللحظة المصيرية في السادس من أغسطس 2014 عندما اقترب تنظيم الدولة الاسلامية وفر سكان قرقوش الى كردستان. واستذكر ميخائيل قائلا "بمجرد ان أرى شخصا لا يحمل بيده شيء، كنت أطلب منه ايصال بعض هذه الكنوز الثقافية الى كردستان، وقد استعدتها كلها". وفي 25 ديسمبر الماضي، عاد هذا الكاهن من جديد الى الموصل لحضور أول قداس عيد ميلاد بعد رحيل الجهاديين عن المدينة لكنه لم يجد هناك سوى الخراب.

فقد اختفت الساعة وقطع البرج الذي كان يحملها، وتحول الدير الى سجن ومركز للتعذيب ومعتقلات وورش لصناعة قنابل وأحزمة ناسفة وكان هناك مشنقة معلقة في مكان المذبح. لكن الاب ميخائيل الذي يتقن العزف على آلة الاورغن والقيثار الكهربائي، يواصل تمسكه بالأمل قائلا "أنا متفائل (لان) الكملة الأخيرة ستعود للسلام وليس للسيف".