كاوتشوك

أكثر اللقطات إدهاشا، هي تلك التي شاهدتها صعودا إلى الجبال شمال شرقي مدينة “كاليكوت” عاصمة التوابل، وهي غير “كالكتا” عاصمة البنغال.
الأحد 2018/04/08
يوم دامع في وطني يُسمى "جُمعة الكاوتشوك"

عندما أقمت في الهند، واقتضى عملي الدبلوماسي السفر في داخلها إلى ولايات عديدة، ومن بينها “كيرالا” ذات الطبيعة الفاتنة، وكل أنواع القردة والجبال الشاهقات، والسلام الاجتماعي المدهش بين مكونات سكانها، والمفارقات الكثيرة التي ترتسم أمامك في تلك الولاية. في زيارتي الأولى، كان الحزب الشيوعي يحكم، والحكومة المحلية حكومته.

 ولأن لا شيء يمر في الهند دون أن يرسم مفارقاته، فقد لفتني أن حكومة الشيوعيين، تصرف على عشرة آلاف أستاذ جامعي متخصص في تدريس الشريعة واللغة العربية.

فالأرقام هناك تستدعي أرقاما، لذا فقد استفزني ذلك الرقم واستحثني على السؤال عن رقم آخر: كم عدد المعاهد والجامعات، التي تدرّس الشريعة الإسلامية واللغة العربية في الولاية؟ وأذهلني الجواب، فالعدد ربما يزيد عن عدد المعاهد والكليات التي تُدّرس هاتين المادتين في البلاد العربية مجتمعة، إذ تبلغ مئة وخمسة وعشرين، ما جعلني أتحدث باللغة العربية الفصحى في قاعات مكتظة بالطلاب والطالبات، في الكليات التي أتيح لي الحديث فيها.

لكن أكثر اللقطات إدهاشا، هي تلك التي شاهدتها صعودا إلى الجبال شمال شرقي مدينة “كاليكوت” عاصمة التوابل، وهي غير “كالكتا” عاصمة البنغال. فليس أجمل ولا أبدع تنسيقا من الحقول على جانبي الطريق الجبلي.

 كان الصديق الهندي الذي يرافقني يتولى تعريفي على أنواع الأشجار، في حقول تُزنّرها أشجار الجوز العالية التي تحيط بمستطيل أو مربع الحقل، ثم تقف بعدها صفوفا، أشجار المطاط، وبعدها في مساواة الخطوط تقع أشجار القهوة، ثم أشجار الفلفل الأسود، تتلوها أشجار “الكاردمون” حَبْ الهيل. ثم تتوسط الحقل أشجار الشاي التي تسري في دواخلها عاملات، كل منهن تتأبط قفة معلقة على صدرها تُحيل إليها الأوراق التي تقطفها!

تأملت المشهد العام فإذا بي، للمرة الأولى، أمام المصادر النباتية لأشياء مألوفة في حياتنا، لكنني لا أعرف أشجارها: فلا استغناء عن الشاي والقهوة والفلفل الأسود وجوز الهند، ونرى الهيل ونستخدمه لكنني لم أرَ شجرته من قبل. تسأل الهندي من “كيرالا” عن اسم لغته واسم قوميته، فيقول لك: للغتنا وقوميتنا اسم واحد كما عندكم، ولتسهيل أن تتذكره دائما، هو أشبه بالتعبير القرآني “ما لا يعلم” مع اختلاف بسيط، تجعله في النطق “ما لا يالم”!

في اللقطة الأخيرة، كان التعريف بالكاوتشوك، أي سائل المطاط الذي ينزّ من ساق شجرة يسمونها “شجرة الدموع” ويصب في أسطال معلقة في السيقان. يومها، لم أكن أدري، أن يوما دامعا في وطني، سوف يُسمى "جُمعة الكاوتشوك"!

24