كايروترونيكا قدم من القاهرة مستقبلا تقنيا متعدد الاحتمالات

مهرجان كايروترونيكا يعد ثورة في مجال الميديا والفنون التقنية، ومحطة جديدة من محطات الانطلاق إلى المستقبل بعيون مبتكرين ومطوّرين.
الاثنين 2018/05/14
سلسلة أحلام في متناول اليد للفرنسية ساندرين دومييه

القاهرة - الميديا والتكنولوجيا والفنون والعلوم وجوه مختلفة للحياة التي تتطور يوما بعد يوم، وقد أطلت هذه الوجوه تحت شعار “مستقبل متعدد الاحتمالات” في ملتقى دولي بالقاهرة يحتفي بكل جديد ومبتكر في مجالات التواصل بين البشر.

تزداد أهمية الأجهزة الرقمية والبرمجيات والتطبيقات بشكل متسارع في عصر الإنترنت وغلاف المعلومات كعناصر جوهرية في الحياة الإنسانية، وساعد التمكين للأفراد والشركات والمؤسسات عن طريق تكنولوجيا التواصل على إحداث هذا التغيير الملموس المتصاعد محليا وعالميا.

وصار بإمكان البشر الأخذ بزمام الأمور مرة أخرى، فبمقدور كل شخص في عالم تفاعلي أن يلعب دورا من جديد بغض النظر عن دينه أو جنسه أو منصبه أو جغرافيته.

كانت هذه الخيوط الإنسانية التي تحكم مسار المستقبل في الميديا والتكنولوجيا والفنون والعلوم محور اهتمام مهرجان القاهرة الدولي للفنون والميديا “كايروترونيكا” الذي عقد، مؤخرا، بمركز الفنون بدار الأوبرا المصرية بمشاركة 60 فنانا ومصمما من 23 دولة.

وحمل مهرجان كايروترونيكا شعار “مستقبل متعدد الاحتمالات”، ومثل حدثا متطورا، تفاعليا، يفتح مجالا مباشرا للإطلال على الغد بعيون مبتكرين مطوّرين يدركون أن “الخطوات” فوق سطح هذا الكوكب قد باتت “تحديات” في عالم معقد.

 

احتضنت العاصمة المصرية القاهرة مهرجانا دوليا للفنون والميديا تحت شعار “مستقبل متعدد الاحتمالات”، قدم إطلالة على الغد بعيون مبتكرين مطوّرين من عدة دول عربية وأجنبية، عرضوا تصوراتهم عن الميديا الحديثة وفنونها، ولمحة عن الحياة والذكاء الاصطناعي، وأبرزوا دور الشباب في استخدام وتطوير التكنولوجيات الحديثة

تقنيات التواصل

تضمن المعرض تصورات عن الميديا الحديثة وفنونها، وأعمالا بصرية مركبة، وعروضا أدائية، ومداخل تقنية للتواصل الإنساني، وللحياة الاصطناعية والذكاء الاصطناعي، فضلا عن الروبوتات وعلم الترميز، والألعاب الإلكترونية وغيرها.

وحظي كايروترونيكا بدعم ومشاركة من مختلف الهيئات والمراكز الأجنبية بالقاهرة، ومنها معهد جوته الألماني والمعهد الفرنسي والمركز الثقافي النمساوي، وغيرها، ومن الدول التي شاركت في الفعالية الدولية الواسعة: مصر، الأرجنتين، أستراليا، إيطاليا، سويسرا، إسبانيا، الأردن، صربيا، الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، بولندا، روسيا، الدنمارك، بلجيكا.

وتنطلق فلسفة مهرجان كايروترونيكا من أن الفنانين والمبتكرين، خصوصا الشباب، من شأنهم أن يلعبوا دورا ملموسا فعّالا في استخدام وتطوير التكنولوجيات الحديثة وتحقيق رؤى إبداعية جديدة في مجالات الميديا والفنون الإلكترونية، التي ظهرت نتيجة لتكييف وتوظيف تقنيات من حقول وصناعات مختلفة.

وضم مهرجان القاهرة الدولي للفنون والميديا نماذج تجريبية متعددة في مجالات التواصل الإنساني المختلفة، وجاءت التجارب تفاعلية، بحيث يشارك فيها الجمهور، كما في تلك الأعمال البصرية مثلا المزودة بكاميرا، فحينما ينظر إليها المشاهد يجد نفسه بهيئته وقد تحوّل آليا إلى عنصر من عناصر العمل المركب، منصهر في نسيجه، وهذا الابتكار من إنتاج الفنان المصري سامح الطويل.

ومثل هذه الإضافات إلى عالم الميديا والفنون الإلكترونية والفضاءات التخليلية، من شأنها التغيير من المفاهيم التقليدية للتكنولوجيا وأدوارها النمطية في الحياة الاعتيادية، وتوسيع نطاق دورها لتحسين الأحوال المعيشية للمجتمعات الإنسانية من خلال اقتراح حلول وتحقيق أهداف جديدة وتجاوز الكثير من التحديات.

وجاءت إنجازات كايروترونيكا ثمرة لإسهامات العديد من البرامج والأنشطة وورش العمل الجماعية بمشاركة المختصين من الفنانين والمبدعين والأكاديميين وخبراء التكنولوجيا والاتصالات من سائر أرجاء العالم، الذين أخذوا في اعتبارهم مقولة الكاتب والمخترع والمصمم المعماري الأميركي بوكمينستر فولر “أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي صياغته”.

ويأتي مفهوم توقع سيناريوهات المستقبل متشابكا مع تطور التقنيات الخاصة في الميديا والطب والعلوم، فضلا عن الأفكار الفلسفية والدراسات الثقافية والخيال العلمي والفنون والتصميمات المعاصرة، وهي المجالات المتنوعة التي اتسع لها كايروترونيكا.

فنون الميديا

من اليابان، جاءت مشاركة الفنان شينتارو كاميجو، أحد أعضاء مجموعة ريزوماتيكس اليابانية العاملة في مجال فنون الميديا، حيث قدم أحدث ابتكارات المجموعة في مجال فنون الميديا، أو تلك الفنون متعددة الأشكال التي تتضمن استخدام الكمبيوتر وغيره من الأجهزة الإلكترونية. وقد عرض كاميجو أعمالا بصرية مركبة يختبرها المشاهد من خلال ارتداء معدات خاصة. كما يمكن مطالعتها عبر الإنترنت.

وجاءت المشاركة النمساوية بالتعاون بين المركز الثقافي النمساوي بالقاهرة وكليتي الطب والفنون التطبيقية بفيينا، بتجربة تفاعلية مبتكرة، تجمع الفنون والعلوم والتكنولوجيا، وتهدف إلى قياس تأثير الأعمال الإبداعية وفنون الميديا على الانفعالات الجسدية للمشاهدين.

وكان من الممكن من خلال هذه التجربة المبتكرة، رصد ردود الأفعال البيولوجية للمشاهدين، الذين يرتدون قفازات تحتوي على أجهزة استشعار ترتبط بشبكة الإنترنت، ويتولى متابعة نتائجها البروفيسور أمريتو جايزر، أستاذ الأحياء الجزيئية بجامعة سالزبورغ النمساوية، في أثناء العرض الحركي لثلاثة عارضين، في الولايات المتحدة، الذين يتم نقل عرضهم الأدائي أون لاين من خلال البث المباشر.

"الحجرات".. عمل مركب من أوكرانيا لفيتالي يانكوفي
"الحجرات".. عمل مركب من أوكرانيا لفيتالي يانكوفي

من ألمانيا، قدم بنوا موبري مشروعه التقني بعنوان “المسلة”، وهو عبارة عن تركيب صوتي تفاعلي متعدد الوظائف، كما قدم كل من سيمون فكرت وليليان نياتبور عملهما المشترك “ماكينة الأمل”، ويعنى بإمكانية تسخير التقنيات الاتصالية الحديثة من أجل خلق مستقبل أكثر سعادة للبشرية.

اتسعت مساحات الخيال في مهرجان القاهرة إلى أبعد الحدود في ما يخص فنون الميديا والابتكارات البصرية، ومن بين أعمال المهرجان الدولي ما قدمته النمساوية ألكساندرا إرليتش شبايزر تحت عنوان “سلسلة من الأسلحة غير المجدية”، وقد استهدفت في تجربتها ملفات تخطيط ثلاثية الأبعاد لأسلحة، وهي ملفات متاحة عبر شبكة الإنترنت السوداء “دارك ويب”.

وقامت شبايزر، الحاصلة على الماجستير في “تاريخ الوسائط الجديدة”، بالعبث في تلك الملفات، مستخدمة استراتيجيات مختلفة مثل إقحام كلمات أو أصوات مسالمة في رمز شفرة الملف، أو تعديلها بشكل طفيف، مثيرة علاقات مختلفة في مكونات هيكل تلك الملفات التي تؤدي بالأساس وظيفة مؤذية، بالتالي فهي تغير الطبيعة الخطيرة والمخيفة للملف الأصلي. وقدم الأميركي ميشيل مكوليف مزيجا بين الخيال والتجربة الحياتية في عمله “جنية الشوكولاتة”، وتعتمد التجربة على قياس حركة الشفاه للمشاهدين الذين يشاركونه الغناء للوصول إلى توحد شعوري بين الجميع.

وجاءت تجربة الفرنسية ساندرين دومييه سلسلة أحلام في متناول اليد لتقدم أشكالا خيالية متنوعة لحالات مختلفة من الوعي، وذلك عبر تصويرها لمجموعة أجساد تختلف عن بعضها ظاهريا، في عالم متجرد من صفات الإنسانية، وتتمدد الأجساد متصلة بأجهزة لتتشابك مع مجسمات أخرى تجسد الرغبة، ويتضح في النهاية أنها انعكاس للآلات العاطفية التي تتحكم في الإنسان.

من أوكرانيا جاء العمل المركب “الحجرات” لفيتالي يانكوفي مشتملا أيضا على أحلام الإنسان في يقظته ومنامه، وأطلقت سارة كولمن من روسيا “الدهشة” على الحائط بتركيبات معبرة ومؤلمة، وتحولت “موسيقى أف أم” المكسيكية إلى أصداء لونية مرسومة تداعب خيالات وذبذبات مؤشر المشاعر الإنسانية.

وللحماية من مخاطر الميديا الحديثة، قدم الهولنديان مارشا شاجن وليون باو مشروعهما المبتكر بعنوان “حركة مضادة يمكن ارتداؤها”، ووجد المصممان حلا فعالا لحماية الفرد من موجات الراديو والإشعاعات، عن طريق نوع خاص من الملابس المعدنية يرتديها الإنسان لحمايته من تهديدات المحيط الحيوي. ولضمان عدم انعزال الإنسان عن الغلاف المعلوماتي المحيط به، من شبكات اتصالات وموجات راديو وغيرها، تسمح الجيوب السوداء في هذه الملابس المعدنية لمرتديها بالبقاء على اتصال بأجهزته المفضلة لديه.

يعد كايروترونيكا، ثورة في مجال الميديا والفنون التقنية، ومحطة جديدة من محطات الانطلاق إلى المستقبل، في رحلة لن تكون خطرة إذا تمسك الإنسان بمفاهيمه الإنسانية الأصيلة الطبيعية.

12