"كباريه الغائبين".. عرض يعلي من قيمة المسرح في حياة الناس

المسرح ملاذ المرء الذي يجد فيه الدفء، والعروض المبتكرة التي تفتح بصيرته وتنمي وعيه وتجعله مواطنا فعليا.
الاثنين 2021/08/16
عرض فرجوي يجمع شتى الفنون

من الأعمال الجديدة التي شدّت الانتباه في مهرجان أفينيون الأخير مسرحية “كباريه الغائبين”، من تأليف وإخراج فرنسوا سرفانتس، وهي أقرب إلى العرض الفرجوي الذي يجمع فنونا شتّى، برغم استناده إلى حادثة تاريخية.

“كباريه الغائبين” مسرحية أشبه بخرافة ترويها الجدّات لأحفادهن قبل النوم، ولكنها ذات صلة بالواقع، فقد ألفها فرنسوا سرفانتس انطلاقا من حادثة حقيقية، وقعت عام 1980، حين أُهمل مسرح الجمناز بمرسيليا، وهجره كل من له علاقة بالفن الرابع، برغم عراقتِه حيث يرجع عهده إلى القرن السابع عشر، ومكانته إذ كان قبلة كبار الممثلين أمثال سارا برنار، ولوي جوفي، وجاك فيبر، ونجوم الغناء مثل جاك بريل وشارل أزنافور، وقائد الأوركسترا فرانك بورسيل الذي قام بتوزيع وتسجيل عدة ألحان لفريد الأطرش.

وفي ذلك الوقت كان غاستون دوفير، المناضل العمّالي قبل انضمامه إلى الحزب الاشتراكي، شيخ المدينة، قد قرّر بناء موقع بترولي على الشريط الساحلي. اتّصل بملياردير أميركي عجوز اسمه أرماند هامّر كان يدير شركة “أُكسِدنتال بتروليوم” لإنجاز المشروع.

بعد اللقاء، طلب منه هامّر أن يزور مسرح الجمناز بالذات؛ فتعجّب دوفير وسأله عن السبب. قال له الأميركي “عام 1897، فرّ رجل وامرأته من ميناء أوديسا بروسيا على متن سفينة باتّجاه الولايات المتحدة، فتوقّفت السفينة في ميناء مرسيليا لإصلاح عطب. في انتظار استئناف الرحلة، ظل الرجل وزوجته المعدمان يقضّيان أيامهما في التجوّل في أنحاء المدينة”.

وواصل “ذات يوم، باغتتهما عاصفة شديدة فاضطرا إلى الاحتماء تحت شرفة المسرح. وبينما هما يرتجفان من البرد، فتحت لهما امرأة الباب، ودعتهما للدّخول إلى الدّفء. كان المبنى هو هذا المسرح، مسرح الجمناز. شاهد الزوجان ليلتها مسرحية ‘غادة الكاميليا’، ولمّا عادا إلى غرفتهما في السفينة، تجامعا فحملت الزوجة في تلك الليلة، وأنجبت بعد تسعة أشهر ولدا أسمياه أرماند، أرماند هامّر، هو هذا الملياردير العجوز الذي أمامك”.

وفاء لتلك القصة التي عاشها والداه، منح الرجل شيخَ المدينة ما يكفي من المال لإنقاذ المسرح، وإعادة ترميمه، وطلب منه أن يبقى مفتوحا كل الأماسي لكي يشعر فيه المتفرجون بالدفء ويجدوا الأكل والشرب. فكان له ذلك.

الخشبة.. أنشودة للفن الحيّ
الخشبة.. أنشودة للفن الحيّ

ولما عاد المسرح إلى سالف رونقه، عُيّن على رأسه رجل مولع بالفن هو باتريك بورجوا، فجعله بيتا يأنس الناس فيه وقاعة يمتعون أنظارهم بعروضها المتنوّعة، التي تتراوح بين الجدّ والهزل، فهو أشبه بكباريه، مفتوح على الدوام، ولكن الناس يأتونه وهم لا يعرفون مسبقا ما ينتظرهم.

يقوم هذا “الكباريه” بتقديم بورتريهات مدن كبرى عبر العالم، حيث تُبتكر حياة جديدة، في مزيج غير مسبوق بين الأجناس والثقافات، وفنتازيا تخلب الأبصار، حيث يتداول على البلاتوه بحارة بلا سفن، ومزارعون دون أراض، وتجّار بلا بضاعة.

في “كباريه الغائبين” اتّخذ سرفانتس من تلك الحكاية استعارة للحديث عن موقع الفن في حياتنا، والمكانة التي يمكن أن يحتلها المسرح في شتى مدن العالم، فهو ملاذ قبل كل شيء، يجد فيه المرء الدّفء، والعروض المبتكرة التي تفتح بصيرته وتنمي وعيه وتجعله مواطنا فعليا، يفيد مجتمعه.

يستعيد سرفانتس تاريخ هذا المعلم منذ تأسيسه إلى اليوم، عبر طرائف ومسارات ولقاءات ولوحات راقصة، ليذكّر بموقعه كقلب نابض لا يقل قيمة عن ملعب الفيلودروم الشهير، ويحتفي بالفن الحي، ويمنحه مكانة جوهرية وضرورية في المعيش اليومي.

على الخشبة خمسة ممثلين وممثلة ينبهون المتفرجين منذ البداية أن ما سوف يسردونه لا يحتوي على أي حكاية، فهو مجرد سلسلة لقاءات إنسانية ذات غايات نبيلة، تجلّل المعيش اليومي لمدينة وثيقة الصلة بمسرحها.

هذا المسرح الذي يستعرض حيوات متعددة ومتنوعة، من الطفل الذي تخلى عنه أبواه لسائق تاكسي، ومهندسة معمارية لبنانية جاءت لتجديد أحد أحياء المدينة، إلى راقص عاد إلى المدينة بوصفها مسقط رأسه، وصاحب المقهى المقابل ومغامراته.. كلها لوحات تعبّر عن مدينة تنبض بالحياة، وعالم يُعاد خلقه أمام الجمهور. تلك الحيوات لا تصمد إلاّ بفضل قربها من بعضها بعضا، ولقائها في هذا المسرح بوصفه مكانا للثقافة والحياة والفرح. هنا يشاهد المتفرّج لوحات متنوعة لمهرجين ومروضي طيور وسحرة ومغنين ومغنيات كتذكير بحياة هذا المسرح على مر الأجيال، وأنشودة للفن الحيّ. وقد أبدع الممثلون في تقديم هذه الرحلة النوستالجية الشاعرية، كلّ من جهته: سيمان مراديان في قناع تَمّ راقص، لويز شوفيّوت في ثوب غادة الكاميليا، تيو شيدفيل في هيئة أينشتاين يروّض الطيور، سليم الزهراني في دور شارل أزنافور.

انطلق سرفانتس من الحكاية الإطارية، التي أوردنا تفاصيلها أعلاه، وانتقل إلى ما صار عليه مسرح الجمناز بعد ترميمه وإصلاحه وتغيّر إدارته وتوجهاته الفنية، ولكنه لم ينس استحضار أمجاد هذا المعلم التاريخي، منذ تأسيسه. وقد أراده مسرحا مفتوحا للجميع، للحاضرين والغائبين على حدّ سواء.

يقول سرفانتس “نعرف كلّنا أناسا لم يجتازوا قط باب مسرح، ولكننا نواصل تعاطي المسرح من أجلهم، فالغائبون يقولون لنا لماذا هم ليسوا هنا؟ ولماذا يرغبون في التحدث إلينا؟ ويقدّمون شهادات عن معيشهم”.

16