كبار السن مطالبون بالتصالح مع النفس وقبول الماضي بكل تناقضاته

زمن العصور الوسطى كان متوسط العمر يقارب الـ30 عاما رغم أن أجدادنا كانوا يموتون قبل بلوغ هذه السن، سواء جراء الكوارث الطبيعية أو الأوبئة أو الحمى غالبا، أما حاضرا فإن ارتفاع هذا المعدل إلى 70 عاما مع توافر فرص كثيرة للعيش وربما يتجاوزه في بعض الأحيان، فذلك مرده ابتكار الإنسان لوسائل جديدة للتعامل مع الكوارث، إضافة إلى أن أغلب الأمراض والأوبئة وقع التصدي إليها بواسطة التلقيح والأدوية.
الأربعاء 2015/11/18
ارتفع متوسط العمر إلى 70 عاما مع توافر فرص كثيرة للعيش

بعض الآراء التي تدفع كبار السن إلى التفاؤل، تقول بأن سن الـ60 عاما في أيامنا هذه تعادل بصورة افتراضية سن الـ40 خلال عقود مضت، وذلك نتيجة لتطور الوعي الاستهلاكي في ما يتعلق بالطعام الصحي وممارسة الرياضة، حيث يمكن لإنسان العصر الحديث أن يضيف سنوات إلى عمره أوعلى أقل أن يحافظ على مظهر شباب متأخر قدر المستطاع.

البعض الآخر يذهب بعيدا في سخرية من الأمر، فيقرر بأن حدوث الموت بعد سن الـ55 عاما لا يتطلب من المعنيين كتابة عبارة "موت غير متوقع"، إذ أن الموت ابتداء من هذه السن يصبح متوقعا بطبيعة الحال بسبب تراكم الإصابات بأمراض التقدم في السن وأكثرها تناغما مع هذه المرحلة العمرية هي الأمراض القلبية.

الدكتور بيل غوردن، اختصاصي علم الأعصاب الوظيفي في جامعة كاليفورنيا الأميركية، لا يولي اهتماما لجميع هذه الآراء، فالأمر من وجهة نظره لا يتعلق بالمحافظة على الصحة وتجنب الشيخوخة فحسب، بل إن المشكلة تتعلق أساسا بنظرتنا إلى مرحلة التقدم في السن وطريقة تقبلنا لها كمرحلة عمرية شأنها شأن المراحل العمرية الأخرى.

ويرى غوردن بأن أجدادنا لم يواجهوا في حياتهم القصيرة أسئلة معقدة مثلما يفعل الناس هذه الأيام، بعد أن امتد بهم العمر وتكالبت عليهم أمراض وهموم التقدم في السن، وراحوا يتساءلون"ماذا يتوجب علينا فعله الآن؟ هل هناك من هو في حاجتنا بالفعل؟ هل أصبحت حرا الآن في فعل ما أريد؟ ولكن لم يعد عندي الرغبة في فعل ما أريد".

وهكذا، تتوالى الأسئلة والأمراض والمعاناة النفسية ومشاعر عدم الجدوى من حدوث الأشياء أو حدوثها بعد فوات الأوان.

حصول مثل هذه الأمور ليس مستغربا لعدة أسباب، فواحد من الأحداث الرئيسية في الحياة قد يتوقف فجأة مثل السلوك اليومي بالذهاب إلى العمل الذي اعتاده الإنسان بصورة يومية لمدة 40 عاما، وهذا التغيير الكبير يستدعي قلقا كبيرا ومعاناة نفسية.
أحداث الماضي في مجملها لم تعد سوى ظلال قاتمة تعمل عمل الكوابيس التي تفسد علينا أحلامنا السلسة

وعموما، يستند رد الفعل على عاملين، أولهما الوعي الداخلي أي كيف نشعر تجاه أنفسنا والثاني هو كيف نرى أنفسنا في مرآة الآخرين وكلما كانت هذه الصورة (الذاتية والخارجية) مرتبكة وغير منصفة.

وإذ تأتي التساؤلات عن الخيارات المتبقية في الحياة وتتفرع عنها أسئلة جديدة “هل استثمرت سنوات حياتي في أعمال مفيدة؟ وهل كنت شخصا جيدا؟ وما جدوى استمراري في العيش؟”، وكل هذه الأسئلة التي تذوب في بحر من اليأس والندم والغضب، هذا النوع من الحوار الداخلي هو الذي يستدعي المعاناة والإجهاد النفسي.

وفي مثل هذه الحالات، ينصح متخصصون بضرورة التصالح مع النفس وقبول الماضي بكل تناقضاته وأخطائه، باعتباره مضى ولن يعود وبالتالي فإن الإخفاق وسوء التصرف وأحداث الماضي في مجملها لم تعد سوى ظلال قاتمة تعمل عمل الكوابيس التي تفسد علينا أحلامنا السلسة من دون أن تقدم أي فائدة، وإذا كان هناك من داع لتغيير شيء ما، فالأجدى أن نغير من حاضرنا كي نعيشه بهدوء وسلام وأن نتقبل ذواتنا بما هي عليه، فالحاضر هو الأهم وليس الماضي أو المستقبل.

ويؤكد غوردن أن لكل مرحلة من مراحل العمر بريقها الخاص وأن الشيخوخة لا تخرج عن إطار هذا المنطق، فهي مرحلة عمرية نصلها تباعا وقد لا يهمنا ما كنا عليه بقدر اهتمامنا باللحظة الآنية.

ومن جانبها تؤكد ديبورا كار، أستاذة علم الاجتماع وعضو معهد الصحة وبحوث الشيخوخة في جامعة روتجرز، أن للتقدم في السن فوائد جمة وهذا واقع، فالعديد من أصدقائنا ومعارفنا الذين يتمتعون بكامل صحتهم في سن الـ40 أوالـ50، لا يعبؤون كثيرا بذكريات الماضي فهي في نظرهم السن التي كانت عنوانا للقلق وغياب اليقين والتخبط في أوجه الحياة المختلفة من دون أهداف واضحة، أما الآن فيمكنهم طول المران والصبر اللذين اكتسباهما بمرور الوقت من التعاطي الإيجابي مع الحياة، وهذا هو وقت معرفة الذات والتصالح مع متناقضات الشخصية والاستمتاع بشعور الرضا والسلام النفسي، وما يزال لديهم الكثير بالطبع ليحتفلوا ويفرحوا به.

21