كبت "الملابس الداخلية النسائية"

سنوات ضوئية ما زالت تفصلنا على بلوغ المرأة نفس درجة المصالحة مع جسدها ومع إنسانيتها، ثقافتنا العربية المحافظة تحوّل وجهة الأحكام والنظر لكل شيء نحو القراءة الجنسية.
الأربعاء 2019/08/14
إخفاء ما أمكن

تطول لائحة الأمور الحياتية التي تقرن بالإحساس بالخجل والشعور بالعار والفضيحة وكل الأفكار والمصطلحات من هذا القبيل عندما يتعلق الأمر بالمرأة. حياتنا اليومية داخل أسرنا وفي مجتمعاتنا العربية زاخرة ومليئة بالأمثلة والنماذج المتشابهة ومن بينها العديد من الأمور المثيرة للدهشة وللضحك لو استحضرنا عند التأمل فيها القليل فقط من المنطق.

تحدث أحد رواد الفيسبوك عن علاقة الشباب والمراهقين، في قرية بمحافظة في أقصى الجنوب التونسي، بالملابس الداخلية النسائية مؤكدا بأسلوب متهكم وساخر أن المراهقين في تلك القرية عندما يرونها يشعرون بالانبهار وتلتصق بها نظراتهم ويتمعنون في تفاصيلها ولكنهم لا يفكرون في التصميم أو نوعية القماش أو إن كانت من العلامات التجارية العالمية بل ينصب كل تفكيرهم في تخيل الجسد الذي كانت تغطيه وتفاصيله وهل هي لامرأة أو فتاة سمينة أو نحيفة…

تذكر صاحب التدوينة أن مشاهدة ملابس داخلية أنثوية كان بمثابة الحدث في مراهقته، منذ سنوات ليست بالبعيدة، واعتبر أن البيئة الاجتماعية المحافظة التي عاش فيها شكلت نوعا فريدا من الكبت لدى الشباب “كبت الملابس الداخلية النسائية”، فسر ذلك بممارسات بسيطة تحدث داخل غالبية البيوت التونسية وفي العائلات الريفية والمحافظة، حيث تحرص الأمهات على تعليم بناتهن كل ما يتعلق بالحياة الأسرية والاجتماعية، فتوصي الأم مثلا ابنتها بأن تخفي ملابسها الداخلية عن أنظار ذكور البيت لأن ذلك أمر مخجل ولأنه من العيب أن يراها والدها وإخوتها مثلا حتى وهي معلقة على حبل الغسيل.

لدينا في مجتمعاتنا العربية العديد من الأمهات الأرامل اللاتي نجحن في أداء هذين الدورين معا واكتسبن معركة الحياة وأوصلنا أبناءهن إلى النجاح وإلى أعلى المراتب أحيانا

المسألة أعمق من الكبت ومما تعلمه الأمهات لبناتهن بل إنها قضية أن كل ما يتعلق بالأنوثة وبالمرأة وبجسدها وبعلاقاتها وتقاطعها مع الجنس الآخر يحلل ويناقش من باب الجنس وبأحكام مسبقة وقوالب جاهزة أقل ما يقال فيها أنها سطحية وتبخس المرأة إنسانيتها ولا تعترف بأي شيء غير جسدها حيث لا تراه إلا كتلة للمتعة؛ فلا يهم عقلها وتفكيرها وقدراتها ومؤهلاتها وذكاؤها وقوتها كل ذلك يأتي في مراتب متأخرة مقارنة بالجسد.

تتعلم البنت منذ صغرها أن تخجل من ملابسها الداخلية وأن تخجل أيضا من جسدها وأنوثتها، وأن تستحي وتظل جاهلة لما يخضع له جسدها من تغييرات فسيولوجية في فترة البلوغ فتخفي ثدييها فور ظهورهما وتحتار في ما تفعله لتخفيهما، كأن ترتدي، مضطرة، ملابس فضفاضة لكي لا يلاحظ الناس أنها كبرت. لا تعلم غالبية الفتيات ماذا يفعلن عندما تأتيهن الدورة الشهرية بل تفزع غالبيتهن ويرتعبن ويتحسبن أن مكروها حصل لهن.. لا تعترف أمهاتنا وعاداتنا وتقاليدنا بغير الحياء في هذه المسائل فلا تستطيع غالبية الأمهات تثقيف بناتهن والحديث معهن عما ينتظرهن في كل شهر.

اليوم، لم يتغير الأمر كثيرا فغالبية الأسر العربية ما زالت تتعامل مع بناتها على هذا النحو لكن بأساليب مختلفة، وفي ما يهم بعض تفاصيل البلوغ ودخول مرحلة المراهقة باتت الفتيات يجدن في الإنترنت فضاء تثقيفيا يساعدهن على إيجاد أجوبة لتساؤلاتهن.

توصي الأمهات وكبيرات الأسرة البنات بالحفاظ على شرفهن وشرف العائلة وبالتالي صون البكارة وترسخ في أذهانهن أنها علامة على أن الفتاة شريفة وتربت في عائلة متوازنة ومتخلقة لكن لا أحد يصارحهن بأن ذلك فقط ليشهد لهن المجتمع والذكور بذلك ولا يوضح لهن أنهن يفعلن ذلك ليس استجابة لرغباتهن أو اختيارا نابعا عن قناعات معينة بل لأن الرجال يريدون ذلك، لأن الزوج يريدها بكرا وجاهلة وأمية بأمور الفراش والجنس، وإلا فإنه سينظر إليها على أن أخلاقها سيئة.

لكل فتاة حكاياتها مع جسدها
لكل فتاة حكاياتها مع جسدها

لكل فتاة حكاياتها مع جسدها وتجاربها الخاصة مع البلوغ ومع الزواج ومع العلاقات العاطفية ومع العلاقات الحميمية التي تظل في أغلب الأحيان تحوم في فلك الكتمان والإخفاء والسرية التامة والحياء والعار أيضا، بينما ترتبط ذات الأمور عند الذكور بالفخر والإحساس بالرجولة والفحولة، ازدواجية في النظر لنفس الموضوع ونفس التجارب أحيانا تخضع فقط لقوانين التمييز على أساس الجنس.

سنوات ضوئية ما زالت تفصلنا على بلوغ المرأة نفس درجة المصالحة مع جسدها ومع إنسانيتها، ثقافتنا العربية المحافظة تحوّل وجهة الأحكام والنظر لكل شيء نحو القراءة الجنسية. المرأة مثلا عندما تترمل أو تطلق أو تعنس تصبح مصدرا للسخرية وللتمييز وأحيانا للشعور بالشفقة والعار.

المرأة حين تكون أما وأرملة وتتحمل مسؤولية أبنائها بعد وفاة والدهم وتكرس حياتها لهم ولإسعادهم وتعمل على أن يحققوا النجاح في حيواتهم وتسهر على راحتهم وقد تخرج للعمل من أجلهم تكتسب من تجربتها القاسية قوة استثنائية فهي الأم والأب في آن واحد.

ولدينا في مجتمعاتنا العربية العديد من الأمهات الأرامل اللاتي نجحن في أداء هذين الدورين معا واكتسبن معركة الحياة وأوصلنا أبناءهن إلى النجاح وإلى أعلى المراتب أحيانا، هؤلاء الأمهات الأرامل اللاتي صنعن من ضعفهن قوة ينظر إليهن أيضا نظرة دونية أو نظرة شفقة أو نظرة طمع في أجسادهن لأنهن في موقع ضعف وفي حاجة إلى رجل في حياتهن.

21