كبش "نفطال" يشعل جدل التفاوت الطبقي في الجزائر

السلطات كرست ثقافة الحق المجاني في الريع النفطي لشريحة اجتماعية معيّنة.
الثلاثاء 2019/08/06
لمن استطاع إليه سبيلا

أشعلت الأموال، التي رصدتها إحدى وحدات شركة سوناطراك النفطية الجزائرية لعمالها لمواجهة تكاليف تقديم أضاحي عيد هذا العام جدل التفاوت الطبقي في البلاد، بما يؤكد أن السلطات لم تقطع مع الماضي في تكريس ثقافة الحق المجاني في الريع النفطي لشريحة اجتماعية معيّنة.

الجزائر - أثارت المنحة التي خصصتها شركة نفطال الجزائرية المتفرّعة عن سوناطراك النفطية الحكومية لعمالها، بمناسبة عيد الأضحى، جدلا كبيرا بين الأوساط الاقتصادية والشعبية.

ولدى كثير من الجزائريين قناعة بأن الاستمرار في هذه الحالة، حتى مع الإطاحة بنظام الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، يكرّس التفاوت الطبقي بين المجتمع لأن تقديم الأضاحي يمثل تحديا سنويا لمعظم الأسر.

وترجمت صور وتعاليق تداولتها شبكات التواصل الاجتماعي، الامتعاض الشعبي من منحة الشركة، التي يُعتقد على نطاق واسع أنها ملك للشعب.

واختزلت إحداها حجم التناقضات الاجتماعية، حيث تظهر عامل من نفطال يتعارك مع كبش العيد، نظرا إلى قامته وحجمه، وعامل آخر اكتفى باقتناء أضحية حمله في كيس نظرا إلى صغره.

وكانت مصلحة الخدمات الاجتماعية للشركة قد قررت إنفاق منحة تقدر بنحو 700 دولار للفرد لمساعدة عمالها وموظفيها على مواجهة تكاليف تقديم الأضاحي، رغم الأزمة الاقتصادية، التي تمر بها الدولة العضو في منظمة أوبك.

وتحوّلت الأضحية في السنوات الأخيرة، إلى إشكالية اجتماعية كبيرة، نظرا إلى ما تسببه من ضغوط مالية للأسر، وهو ما اضطر الكثير منها إلى الاستغناء عنها لعجزهم عن توفيرها، رغم ما تمثله من رمزية في هذه المناسبة الدينية.

ويؤكد الخبير الاقتصادي كمال رزيق أن 3 ملايين أسرة لم يعد بإمكانها توفير تكلفة الأضحية، بسبب غلاء الأسعار وتراجع قيمة الدينار في السوق المالية، وأن تزامن العيد مع مناسبات اجتماعية أخرى، بات يشكّل عبئا ثقيلا لذلك تمّ الاستغناء عنها.

كمال رزيق: 3 ملايين أسرة جزائرية لم يعد بإمكانها توفير تكلفة الأضحية
كمال رزيق: 3 ملايين أسرة جزائرية لم يعد بإمكانها توفير تكلفة الأضحية

وأمام تدهور الوضع الاجتماعي، لم يعُد بالإمكان الوفاء بمثل هذا الالتزام الديني والاجتماعي، رغم أن الجزائر تحقق اكتفاء ذاتيا في مجال تربية المواشي، ونادرا ما تلجأ لاستيراد اللحوم أو المواشي تحت ضغط الطلب المتزايد في بعض المواسم.

وتشير التقديرات إلى أن أسعار الأضاحي تتراوح بين 500 و1500 دولار، حسب القامة والحجم والفصيلة، وهناك ما يفوق ذلك، وهي الرؤوس التي تستعمل في بعض العادات والتقاليد وحتى الممارسات الدخيلة، على غرار المسابقات الموسمية بين الكباش.

وصارت مدينة عنابة وضاحية الحراش بالعاصمة، تشتهران باحتضان مسابقات موسمية تنظم بأضخم الكباش، وتوسعت لتصبح ذات بُعد مغاربي بعد دخول متسابقين من تونس على خط المنافسة، حيث يتم التباري إلى غاية فرز أقوى كبش أزاح من طريقه نظراءه، ويحصل صاحبه على منحة مالية تناهز حدود الخمسة آلاف دولار.

ورغم الحظر الديني لمعارك الكباش خلال الأيام التي تسبق عيد الأضحى، إلا أن الظاهرة ماضية في التوسع والشهرة، ولا مجال فيها لأحاديث الجدل الاجتماعي الذي يجدده العيد في كل موسم تحت أي شكل من الأشكال.

وأفرزت تلك المسابقات ممارسات سيئة كانتشار سرقة المواشي، واستغلال عصابات تزوير الأوراق النقدية للأسواق من أجل التخلص من بضاعتهم، والغش في تسمين الخرفان بمواد كيمياوية تهدد صحة المستهلكين.

وكغيرها من المواسم المدرّة للأرباح على تجار المواشي، تتحول المناسبة إلى فرصة للمضاربين، حيث تنتشر في تُخوم المدن والأحياء حظائر بيع الأضاحي، لتجار ليس لهم من المهنة إلا التحكم في لعبة الوساطة بين المزارعين والمربين والمستهلكين.

وأدّت تلك الظاهرة الموسمية إلى غليان في أسعار الأضاحي قياسا بهامش الربح الذي يحققه المضاربون في سوق المواشي دون تعب.

وتعتبر مصالح الخدمات الاجتماعية من آخر المصالح المماثلة التي حافظت على هذا التقليد، الذي كانت تقوم به عدة مؤسسات حكومية وحتى خاصة للتضامن مع عمالها، قبل أن يتم التراجع عن ذلك تحت ضغط تقلص المداخيل المالية خلال السنوات الأخيرة.

وبات الطابع الاجتماعي للجزائر منذ سنوات الاستقلال، يمثّل عبئا ثقيلا على الحكومة وعلى المؤسسات، كونه تحوّل بمرور السنوات وتراكم التجارب، إلى انتظارات اجتماعية تُطلب في مختلف المناسبات والقطاعات.

وتسببت منحة شركة نفطال لعمالها وموظفيها بمناسبة عيد الأضحى، في تصاعد النقاشات الاجتماعية لينتهي إلى ضرورة تعميم ذلك على كافة العمال والموظفين في القطاع العام، وتوسيع التضامن الاجتماعي إلى مختلف الفئات.

وأمام توسّع دائرة الفقر في المجتمع، باتت الجمعيات التي دأبت على توفير الأضاحي للأسرة الفقيرة في وضع لا يحسد عليه، نظرا إلى كثرة الطلبات على مكاتبها مقابل عدم قدرتها على تلبية جميع الحاجيات.

وذكر قيادي في جمعية كافل اليتيم بالعاصمة، رفض ذكر اسمه، لـ”العرب” أنّ الوضع الاجتماعي بات صعبا في السنوات الأخيرة، وأنّ التبرعات التي كانت تستقبلها الجمعية تقلصت.

وقال “لم يعُد بالإمكان تعميم توزيع فرحة العيد من أضاحي وملابس وغيرها على الفقراء واليتامى، وغالبا ما نجد أنفسنا في حرج شديد في توزيع ما يُتاح لنا لهذه الشريحة من المواطنين”.

 

11