كبوة الصحافة العراقية بدأت بدخولها مطحنة الأحزاب السياسية

مرت الصحافة العراقية بمراحل من النهوض والكبوات المتعددة، وواكبت عددا من التجارب المهنية والأسماء الكبيرة، التي فقدتها الصحافة مؤخرا، وكانت التجربة الأكثر تأثيرا وسلبية هي سطوة الأفكار الحزبية على المعايير المهنية، مما تسبب في غياب الموضوعية والمهنية وانقطاع التواصل بين الأجيال الصحافية.
الأربعاء 2016/02/03
صحافة الدولة كصحافة الأحزاب لا هامش للحرية فيها

تنطوي بوفاة الصحافي الرائد ومؤرخ الصحافة العراقية فائق بطي مؤخرا، صفحة هامة من حياة مهنية زاخرة بالعطاء قدم خلالها فائق، بالإضافة إلى عمله الصحافي اليومي، عددا من أفضل الكتب التي أرخت للصحافة العراقية أبرزها “الموسوعة الصحافية العراقية” وأصبحت مصدرا أساسيا للدراسات الأكاديمية، وآخرها “الموسوعة الصحافية الكردية في العراق” التي أصدرتها دار المدى قبل فترة قصيرة.

شاءت الصدف أن أعمل مع صحافييْن اثنيْن خسرتهما الصحافة ولم تربحهما السياسة، الأول سعد قاسم حمودي الذي رحل في منفاه السوري منذ سنوات، والثاني فائق بطي الذي رحل منذ أيام في العاصمة البريطانية، الاثنان من جيل متقارب وعاشا ظروفا مهنية متشابهة ولكنهما اختلفا فكريا وحزبيا.

نشأ سعد قاسم حمودي الذي عملتُ معه في نقابة الصحافيين ولم أعمل معه في الصحافة، في دار صحافية هي جريدة “الحرية” التي كان يملكها والده الصحافي المعروف قاسم حمودي، وزميلي وصديقي وأستاذي فائق بطي الذي رحل منذ أيام، نشأ في جريدة “البلاد” التي أصدرها والده الصحافي الرائد روفائيل بطي، والاثنان اجتمعا معا في جريدة واحدة أصدرتها نقابة الصحافيين بعد قيام الجبهة الوطنية في السبعينات، هي “الطليعة”.

ولم يستمر عملهما معا سوى عدة أيام، فقد انحاز سعد قاسم حمودي في عمله في الجريدة لأطروحة حزبه (الحزب القائد) بينما اعترض فائق بطي على ورود هذا “النص” في افتتاحية جريدة يفترض بأنها مستقلة، فرفع اسمه من ترويسة الجريدة وترك التجربة الوليدة التي أجهضت حين تحولت الجريدة إلى نسخة من جريدة “الجمهورية” الحكومية التي كان يترأس تحريرها سعد قاسم حمودي ولم تستمر طويلاً.

سعد قاسم حمودي نشأ في جريدة الحرية التي كان يملكها والده قاسم حمودي ورحل في منفاه السوري.

مشكلة الأحزاب السياسية مع الصحافيين المحترفين الذين ينتمون لها أنها تدخلهم في “مطحنتها” الفكرية لتوصلهم إلى تغليب حزبيتهم على مهنيتهم. حدث هذا في العراق، على عكس التجارب النقابية المهنية.

وكان خطأ قاتلا بالنسبة للتجربة النقابية المهنية العراقية. أذكر هنا أن صحافيا اعتاد على شرب الكحول نهارا، هو الراحل وائل السعيدي، اقترب من سعد قاسم حمودي يوم كان نقيباً للصحافيين، وأصدرت النقابة قائمتها الشهيرة التي أبعدت عن الجدول النقابي الصحافيين اليساريين والشيوعيين الذين كانوا قد غادروا العراق بعد فشل تجربة الجبهة الوطنية. يومها “زين” لسعد بعض من كان معه في مجلس النقابة أن يسبّب هذا القرار بعدم تسديد هؤلاء لالتزاماتهم المالية للنقابة وفقا للقانون، (وهو حق أريد به باطل). فقد كان يعرف جيداً أن هؤلاء تركوا العراق مكرهين رغماً عنهم بسبب حملة الاعتقالات والتغييب في السجون. يومها قال وائل وكان ثملاً للراحل سعد في مبنى النقابة “أبومحمد هاي شلون دبرتوها؟ يعني معقولة نقابة تفصل مؤسسيها الجواهري وفائق بطي؟” يومها لم يرد سعد على وائل باعتباره مخموراً، ومرت القضية بسلام.

ولم يكن الصحافيون من غير البعثيين ممن لم يغادروا العراق أفضل حالا، فقد تم نقلهم إلى وظائف غير صحافية.

ومن السخرية مثلا أن تنقل صحافية بمستوى الدكتورة سلوى زكو إلى شركة التأمين الوطنية. فائق بطي أخطأ هو الآخر حين اعترف في أحد كتبه “الوجدان” أنه اعترض على عمل الصحافي صادق الأزدي صاحب مجلة “قرندل” في العهد الملكي في جريدة “النور”، وأنه قال لرئيس تحريرها حلمي شريف: ما معنى وجود صحافي رجعي في جريدة تقدمية؟، وحدث هذا معي شخصيا في الثمانينات عندما أشرفت على جريدة “الاتحاد” البغدادية كان هناك زملاء بعثيون في مقدمتهم الراحل ضياء حسن يتهمونني بأنني أعيد الاعتبار للرجعية من خلال نشر مذكرات عدد من السياسيين والصحافيين من العهد الملكي.

ولم يكن الطرف الآخر أفضل في مواقفه وانعكس ذلك حين تأميم الصحافة وصدور قانون المؤسسة العامة للصحافة، حيث تم عزل الشيوعيين واليساريين من الصحافيين وفي أحسن الأحوال تعاملوا معهم ككتاب “بالقطعة”. ظل الصحافيون العراقيون دائماً يغلبون معاييرهم الحزبية على المعايير المهنية، وكان هذا سببا رئيسا في إضعاف العمل النقابي الصحافي ووصول النقابة إلى ما وصلت إليه اليوم.

ليس هذا فحسب بل إنني أراه سبباً مباشرا في انقطاع التواصل بين الأجيال الصحافية المهنية، مما ترك أثرا بالغا على الصحافة العراقية وجعلها صحافةً دون تراكم مهني. فصبيحة 14 يوليو 1958 مثلا ألغيت صحف معمرة أبرزها “الشعب” لـيحيى قاسم وملحقها “الأسبوع”″، وأبعد صحافيون عن العمل المهني لأنهم “رجعيون”.

فائق بطي رحل حاملا معه حلمه الذي رافقه خمسة عقود بإعادة إصدار جريدة والده البلاد

وفي عهد الزعيم عبدالكريم قاسم، أغلقت صحف قومية تارة ويسارية تارة أخرى.

وكانت النقابة صامتة خلال مرحلة تداولها بين اليسار واليمين حين تغلق جريدة أو مجلة لا يتطابق توجهها مع توجه الهيئة الإدارية للنقابة. كان هذا عكس ما جرى في مصر تقريباً حيث التقاليد المهنية تفرض على النقيب أيا كان توجهه أن يحترم العمل المهني في مثل هذه الحالات كي يضمن استمراره على رأس النقابة.
وبالتأكيد هناك حالات استثنائية أيضاً، منها ما جرى في عهد الرئيس أنور السادات بعد اتفاقية كامب ديفيد.

قضى انقلاب 8 فبراير 1963 في العراق على ما تبقى من المؤسسات الصحافية المهنية المعمرة، وأبعد العشرات من الصحافيين اليساريين عن العمل وزجّوا في السجون، وبعضهم مات تحت التعذيب (عبدالجبار وهبي-أبوسعيد وعدنان البراك وآخرون).

انتهت تجربة “البلاد” التي أسسها الراحل روفائيل بطي وقادها في مراحلها الأخيرة الراحل فائق بطي. انتهت أيضاً تجربة جريدة “الأخبار” لـجبران ملكون و”الزمان” لـتوفيق السمعاني. كانت هذه الصحف هي الأطول عمراً والأكثر تراكماً في الخبرة المهنية من بين الصحف التي ألغيت امتيازاتها، وكانت البلاد تحديدا قد وضعت لبنة على طريق بناء الصحافة المؤسسية التي افتقدها العراق منذ ذلك الوقت، فبعيدا عن صحافة الحكومات والأحزاب لم تنشأ أي صحافة مؤسسية بالمفهوم الحديث، وظل الصحافيون عرضة للبطالة والابتعاد عن المهنة. صحيح كانت هناك محاولات متواضعة للعودة إلى المؤسسية أيام حكم الفريق عبدالرحمن عارف وفسحة الحريات الضيقة التي انعكست على الصحافة.

وأبرز تلك المحاولات كانت جريدة “المنار” التي أصدرها الصحافي عبدالعزيز بركات الذي غيب في السجون، بعد 17 يوليو 1968 ومجيء البعث للسلطة من جديد. فقد حاول الرجل بمساعدة زميله الآخر الذي غيب معه، عبدالله الخياط أن يبني تجربة مؤسسية تعتمد على الكفاءات المهنية. في تلك المرحلة خضعت الصحافة لقانون كنا نسميه قانون “الخمسات” الذي اشترط أن يصدر الامتياز الصحافي بأسماء خمسة أشخاص من أعضاء نقابة الصحافيين، (أي أن تؤسس شركة لإصدار الصحيفة)، وأعتقد أن هذا القانون لو استمر العمل به لأرسى أسساً للعمل المؤسسي من جديد، إذ وصل عدد أعضاء النقابة إلى 17 ألف عضو، بحسب ما ذكر الدكتور كاظم المقدادي في أحد لقاءاته مع برنامج ستوديو التاسعة في قناة البغدادية قبل أيام قليلة. ولكن الأمر، كما ذكرت، انتهى بالتأميم الذي جاء تقليداً للتجربة المصرية.

ويحسب للصحافة في العهد العارفي الثاني جرأتها في التناول. وكانت جريدة “صوت العمال” التي ظلمها مؤرخو الصحافة تنشر مقالات وأعمدة لم نعهدها في صحافة ذلك الزمان. وأيضا كانت جريدة “النصر” التي أسهم بإصدارها شيخ المهنيين الذي حافظ على مهنيته حتى اليوم، سجاد الغازي، وجريدة “الشعب” التي أصدرها الراحل شاكر علي التكريتي.

المحنة الأخيرة للصحافة العراقية كانت على يد الاحتلال حين تعرض الصحافيون المهنيون إلى عقوبة جماعية هي الأولى من نوعها بإلغاء صحفهم بذريعة سخيفة هي أنها “صحف صدامية” منهيا بذلك تراكما مهنيا كان قد بدأ من جديد في وكالة الأنباء العراقية وجريدة “الجمهورية” الحكومية ومجلة “ألف باء” الحكومية، ثم أطلق العنان لكل من هب ودب للخوض في غمار العمل الصحافي دون أي ضوابط مهنية، وإذا استثنينا مؤسسات صحافية تعد على أصابع اليد الواحدة تعاملت مع صحافييها بمهنية فإن العشرات بل المئات من الصحف التي لم يتوفر فيها الحد الأدنى من المهنية صدرت وتوقفت وضاعت حقوق العاملين فيها، وما حصل بعد الاحتلال يحتاج إلى دراسة موسعة وليس إلى سطور معدودة كهذه.

منذ أيام رحل الصحافي الكبير فائق بطي الذي ظل يؤكد في كتاباته وكتبه على عراقة الصحافة العراقية. رحل حاملاً معه حلمه الذي رافقه خمسة عقود بإعادة إصدار جريدة والده (البلاد)، التي كانت إحدى “نواتات” الصحافة المؤسساتية المهنية، رحل والكثير من أبناء الجيل الجديد من الصحافيين لا يعرفون من هو فائق بطي الصحافي والمعلم بسبب الانقطاع بين الأجيال وغياب التراكم المهني.

18