كتابة الأسطورة اليونانية بلغة ما بعد الحداثة

السبت 2014/05/24
استندت كولينز في ثلاثيتها على ثنائية التحدي والنصر

عندما صدر الجزء الأول من ثلاثية “مباريات الجوع"، في عام 2008، للكاتبة سوزان كولينز، التي ولدت عام 1962 في الولايات المتحدة الأميركية، عن دار نشر“ Scholastic Press ” في نيويورك، كرواية خيال علمي، استقبله النقاد بحفاوة بالغة جعلته يتبوأ مكانا متقدما على قائمة الكتب الأكثر مبيعا العام ذاته، مما حدا بالكاتبة سوزان كولينزفي عام 2009 لأن تتبعه بجزء ثان الّذي صدر بعنوان “ألسنة اللهب”، ثم الجزء الثالث بعنوان ” الطائر المقلد ” في العام نفسه.

استُقبل الجزآن؛ الثاني والثالث، بنفس الحفاوة التي استُقبل بها الجزء الأوّل من الرّواية. وبحسب صحيفة نيويورك تايمز، فإنّ “ثلاثية مباريات الجوع” كان الكتاب الأكثر مبيعا لمدة 60 أسبوعا على التوالي، ونتيجة للشعبية الكبيرة التي حققتها الكاتبة فقد تم اختيارها من قبل مجلة تايم، كأحد الأشخاص الأكثر تأثيرا في العالم لعام 2010، مما دفع الناشرين حول العالم للتسابق لشراء حقوق الترجمة، إذ ترجم العمل إلى أكثر من 40 لغة، وبيعت منه أكثر من عشرة ملايين نسخة، وهكذا صدرت النسخة العربية من هذه الثلاثية عن “الدار العربية للعلوم ناشرون”/ بيروت، الجزء الأول عام 2010 والجزأين الثاني والثالث عام 2011، بترجمة لسعيد الحسنية.


لماذا الجوع

حكاية خاصة أبطالها يتبارون في الجوع والموت


تقدم الروائية سوزان كولنز رواية مدهشة، ومشوقة إذ تسرد حكاية لا تشبه بقية الحكايات، إنها حكاية خاصة، أبطالها، يتبارون في الجوع والموت معاً، وهنا يكون التساؤل المطروح، ما الداعي لأن يشهد المرء مباريات للجوع؟

تخبرنا هذه الثلاثية بالجواب، إذ تدور أحداث هذا العمل في “بانيم “، وهي دولة قامت على أنقاض ما كان يعرف ذات يوم باسم أميركا الشمالية، حيث اجتاحت المنطقة الكثير من الكوارث الطبيعية كالجفاف والحرائق، والبحار النهمة التي ابتلعت مساحات كبيرة من الأراضي، والحروب الشرسة التي أتت على ما تبقى من ثروات العالم.

وهنا ظهرت ” بانيم”، المكونة من الكابيتول الرائعة التي تحيط بها ثلاث عشرة مقاطعة ليست بنفس رفاهية وأهمية الكابيتول التي جلبت السلام والرخاء لمواطنيها. بعد أن انتصرت على تمرد المقاطعات الذي قام ضدها وهزمت اثنتا عشرة مقاطعة وأزالت المقاطعة الثالثة عشرة من الوجود.

ومن ضمن شروط السلام المر بين المقاطعات، تعقد المعاهدة وبقوانين جديدة من أجل ضمان السلام، ولأنه يجب عدم تكرار الأيام السوداء، فرضت “مباريات الجوع”، حيث يتعين على كل مقاطعة، وعقاباً على التمرد، أن تقدم فتاة واحدة وفتى واحداً يتراوح عمرهما ما بين الثانية عشرة والثماني عشرة سنة، ويتم اختيارهما من بين سكان المقاطعة بطريقة القرعة ولكن يمكن أن يتطوع البعض ليحل محل من تظهر أسماؤهم بالقرعة، ويطلق على كلّ منهم اسم المجالد للمشاركة في هذه المباريات، إذ يوضع المتبارون الأربعة والعشرون في ظروف اقتتال، الغاية منها هي إمتاع مشاهدي الكابيتول المرفهين عبر برامج تلفزيون الواقع الّتي تغطي الحدث وتنقل الصراع من أجل البقاء بين المجالدين.

ولزيادة المتعة يوضع المشاركون تحت ظروف قاسية جدا يُمكن أن تشتمل على أي شيء يقدم المتعة لمشاهدي التلفزيون بدءاً من الاقتتال المميت بين المشاركين مرورا بالصحراء الحارقة، وحتى الغابات المخيفة، والوحوش الغريبة، وكل ذلك يتم بثه في برامج تلفزيون الحقيقة (TV Real )، حيث يشارك المتفرجون بالتصويت على المباريات، الّتي تديرها مؤسسة عليا من مؤسسات الإعلام الحديث التي تتحكم بالمجتمعات المعاصرة من خلال سطوة الميديا على الناس، ويتعين على المتنافسين أن يتقاتلوا حتى الموت، أما الفائز منهم فهو آخر مجالد يبقى على قيد الحياة، وبما أن الاشتراك في هذه المباريات إجباري لأولاد المقاطعات الإثنتي عشرة، تأتي نتيجة القرعة على عكس ما تتوقع بطلة الرواية “كاتنيس إيفردين”، إذ كانت أختها الصغرى التي تبلغ من العمر 12 سنة هي المرشحة، وهذا يعني عدم وجود فرصة لنجاة هذه الطفلة الضعيفة مما يدفع البطلة للتطوع مكان أختها في هذه المباريات.


لعبة كارثية


أمّا في الجزء الثاني من الثلاثية ” ألسنة اللهب”، فإن البطلة ” كاتنيس إيفردين ” تشعر بالمسؤولية عن عدم الاستقرار الذي أشعل شرارات النار وجعل ألسنة اللهب تنتشر في البلاد، ممّا دفع الكابيتول إلى طلب الثأر.

وتتحول حياة كاتنيس إلى دوامة محتدمة تعلو وتهبط مع أمواج الثورة المندلعة في المقاطعات ضد سلطة الكابيتول، وبينما تشعر كاتنيس في قرارة نفسها بضرورة استمرارها في النضال تأتي مفارقة ارتفاع رهانات مشاهدي الكابيتول المرفهين الذين يتابعون تمرد المقاطعات على شاشات التلفزيون كتسلية أو كلعبة من ألعاب الكومبيوتر. ومع اقتراب موعد القيام بجولة النصر في الضواحي ضمن مخطط مباريات الجوع القاسية، تصدمنا سوزان كولنز بمفارقة تلفزيون الواقع، إذ يتحتم على كاتنيس وزميلها بيتا أن يُمثلا دور عاشقين هائمين حبّا، ليتمكنا من رفع أسهمهما لدى المتلقين ضمن شروط اللعبة الكارثية.


ثورة وانتصار

البطلة تسعى لتكون أيقونة “الطائر المقلد” للثوار الساعين لتغير نظام “بانينم”.


في الجزء الثالث من الثلاثية الذي جاء بعنوان “الطائر المقلد”، تقودنا سوزان كولنز في عالم بطلتها كاتليس ايفردين، إذ تتمكن من النجاة وتتمكن من إنقاذ عائلتها وتوصلهم إلى بر الامان، وعندما تعتقل سلــطات الكابيتول بيتا رفيق كاتنيس يتبين أن المقاطعة 13 ماتزال موجودة ويظهر المتمردون على مسرح الأحداث بقيادات جديدة ويتكشف وجه جديد الملامح للثورة، وتوضع خطة لإنقاذ كاتنيس من الميدان في خضم المباريات شبه النهائية القاسية والمؤلمة، وتقضي الخطة بأن تكون كاتنيس جزءا من الثورة دون علمها، ويشرع المتمردون في التخطيط لقلب نظام الكابيتول، والإطاحة بالمؤسسة الحاكمة الممسكة بزمام الأمور، ويتوقف نجاح الثورة على “قيول كاتنيس” لدورها الجديد الذي يحولها إلى أيقونة للثوار، أمّا “كاتنيس” فعليها قبول المسؤولية الملقاة على عاتقها لإنقاذ أرواح آلاف البشر، وعليها أن تضع مشاعرها وشكّها وقلقها جانبا، لتكون أيقونة “الطائر المقلد” للثوار الساعين لتغير نظام “بانينم”.

استندت الكاتبة سوزان كولينز في ثلاثيتها على الأسطورة اليونانية القديمة (ثيسيوس و مينوتور)، كما أنّ عملها ككاتبة محترفة للتلفزيون، دفعها لفضح سطوة آلة الإعلام الغربي على المجتمع، كما أن كونها ابنة طيار أميركي شارك في حرب فيتنام قد وفر لها الكثير من المعلومات حول مآسي وكوارث الحروب التي استثمرتها في العمل. وتجدر الإشارة إلى أنّ هوليوود قد تلقفت الرواية وحولتها إلى سلسلة أفلام من إنتاج شركة نينا جاكوبسون فورس وإخراج غاري روس.

17