كتابة البنات العربيات دائما مثيرة للجدل

المتابع للروايات التي تكتبها البنات على اختلاف أيديولوجياتهن، سيكتشف أن ملامح الكتابة تغيرت، وأُنتِجت أشكال كتابية تَتناسب مع حالات البوح والتنقيب عن الذات.
السبت 2018/05/12
كتابة المرأة كتلة من الذوات (لوحة للفنان عصام معروف)

لم تتوقف ظاهرة كتابة البنات في الأدب العربي عند حقبة التسعينات من القرن الماضي، الحافلة بالتحولات الاجتماعية والسياسية، بل استمرت وأنتجت تجاربَ مهمّةً وهي تَعْبُرُ إلى الألفية الجديدة، وما أحلّته مِن متغيرات عديدة، وما أحدثته من جروح وانتكاسات بسقوط أيديولوجيات وشعارات ظلتْ مُهيمنة طيلة عقود سابقة، فكانت أشبه بهزائم لا يقل وقعها عن فداحة نكسة حزيران 1967.

والمتابع لهذا النتاج المتدفق من الروايات التي تكتبها البنات على اختلاف أيديولوجياتهن، سيكتشف أن ملامح الكتابة تغيرت، وأُنتِجت أشكال كتابية تَتناسب مع حالات البوح والتنقيب عن الذات، فلم يعد مفهوم البطل الإشكالي أو الضد، مهيمنًا على صفات البطل، بل صار البطل شخصًا عاديّا، يحمل سمات القارئ نفسه.

كتابة سيرة

 

شكّلت نتاجات النساء العربيات الشعرية والنثرية ظاهرة أدبيّة في تسعينات القرن الماضي، وكانت المفاجأة هي استقبال الأوساط الثقافية لها بالترحيب، فاحتفى بها الناقد شكري عياد، بعنوان لافت “كتابة البنات” في مجلة الهلال العريقة. وبالمثل فعل إدوار الخراط بإعلانه “موسم كتابة البنات”، وكذلك صبري حافظ الذي أسماها “الجناح النسائي للكتابة”، رافضا فكرة كتابة البنات، لما تنطوي عليه من استهانة ولمز في مقابل كتابة الرّجال على حد قوله

أقف هنا عند عملين صدرا حديثًا. العمل الأول بعنوان “يحدث ليلاً في الغرفة المغلقة” لمروى جوهر الصادر عن دار دوّن للنشر، 2018، والثاني “مر مثل القهوة، حلو مثل الشوكولا” لميرنا الهلباوي، الصادر عن دار الكرمة 2018؛ أولا، لاستقراء التغيير الذي طرأ على كتابة الذات. وثانيا لاستجلاء ملامح الكتابة وطرائقها بإيجاز شديد، ومدى إمكانية وضع هذه الكتابات في سياق الأدب الرسمي الذي لا يعترف بغيره نقاد المؤسسة النقدية الرسميّة.

بداية يتصل العملان اتصالا وثيقا بالذات، سواء بالمباشرة على نحو ما فعلت ميرنا الهلباوي، التي قدَّمت كتابة تتصل بجنس “رواية السيرة الذاتية” التي مِن أهم وظائفها كما يقول باسكال “تتعامل مع تجارب حاسمة في حياة الشباب” أو “تتمركّز في جوهرها حول التجارب التي تشكّل الشّخصية وتبلورها، وليست مجرد رواية تتخلق حول تجربة حقيقية متفردة وبارزة”. فسردت فيها عبر صور متقطِّعة متشظِّية تجاربها الحياتيّة القليلة، وضمنتها لحكايات عن رحلاتها وأهم مشاهدتها في الأماكن المختلفة. وبالمثل يمكن اعتبار نص مروى جوهر، سيرة غيرية، فالنصُّ في أصله حكاية حقيقية كما مُدوّن على غلاف الرواية الخارجي “مستوحاة من أحداث حقيقية” روتها البطلة الحقيقية للمؤلفة التي صاغتها على لسان بطلة تروي حكايتها هي وثلاث صديقات سكن في شقة دارت فيها هذه الأحداث الغريبة.

على المستوى الفني، تتحقّق في العملين العناصر الأدبية، وإن كانت بتفاوت بسيط، يعكس في المقام الأول، وعي الكاتبتين بآليات الكتابة، وقدرتهما عبر اللغة على صياغة حكاية سردية، تتمثَّل لجماليات الفن، حتى ولو جاءت بسيطة كما في نص مروى جوهر التي استطاعت شدّ قارئها لمتابعة تفاصيل الحكاية مستعينة بتقنيات سردية قائمة على التقطيع والتداخلات، وأيضا التوازي حيث ثمّة نصّ آخر متداخل مع النص الأصلي، وهو حكاية الشيخ عبدالرحيم القناوي، فترد بعض من تفاصيل سيرته، موزَّعَة على الوحدات السّردية، وقد أكسبت النَّص بُعدا صوفيّا.

في نصّ ميرنا الهلباوي ثمّة مقاطع متفرقة من حياتها الشخصية، تأخذ هذه المقاطع أهمتيها من التضفيرة التي قامت بها بربط هذه الحكايات بالأماكن التي كانت تتنقل إليها، وهو ما منح النص تجاذبا بين السّيريّ؛ بتفاصيل موجزة عن سيرته وعلاقتها، والرحليّ بحضور الأماكن، وإن كانت لم تقف عند وصف الأماكن فقط بل عكست ذاتها على هذه الأماكن.

سرد ذات

تعتمد رواية “يحدث ليلاً في الغرف المغلقة”على التشويق والإثارة في كثير من أجزائها، حتى بدت الرواية كرواية رعب. فالرَّاوِيَة والتي تتولى حركة السرد عبر الأنا/ مريم، هي إحدى الفتيات الأربع التي كانت تقطن في هذه الشقة، تروي مشاهدتها لما حدث داخل الشَّقة، وما تعرضت له الفتيات من رعب وإيذاء وإيلام جسديّ، حتى تكتشف الحقيقة في نهاية الرواية. لكن تُبْقِي الرَّاوِية العقدة إلى قرب انتهاء الرواية. ومع توافر العناصر الأساسية المشكِّلة لأدبيّة النّص إلا أن ثمّة مغالاة في بعض المواضع، خاصة العارف بطبيعة المنطقة وعادتها، فحكاية الضابط عمر وعلاقته المتداخلة بالفتيات، لدرجة صعوده إلى شقتهم، شيء لا يصدق، بسبب الأنساق القَبَلِيَّة المُهيمنة على المكان.

كاتبات مازلن مهووسات بالتفاصيل المركبة
كاتبات مازلن مهووسات بالتفاصيل المركبة

رواية ميرنا الهلباوي “مر مثل القهوة، حلو مثل الشوكولا” لا تقف الحكاية فيها عند حكاية ميرنا الشخصية، وعلاقاتها العاطفية الفاشلة بأدهم، وهروبها واختفائها المستمر، ثم علاقتها بمحمد والتي أصابها بالضجر، أو حتى بعائلتها وأمها، على الرغم من تطابق الهويات الثلاثة في النص: المؤلفة/ الراوية/ الشخصية. وإنما توزِّع حكايتها على حكايات آخرين التقت بهم في أماكن ترحالها المتعددة، كماركو صاحب الفندق الذي نزلت فيه بروما، ودانيال ابن زوجته الذي طرده من العمل لأنه لا يعرف ماذا يريد. حكايات إن كانت جاءت لتقدم سرودًا شخصية عن آخرين تتقاطع حكاياتهم المليئة بالألم مع حكاياتها، إلّا أنّها في الوقت ذاته، لتؤكّد على أننا أبناء البشر شركاء في الألم. والألم هو قاسمنا.

 وبالمثل حكاية سلين ووالديها المتناقضيْن الديانة والثقافة، وهو ما خلق حالة المتاهة التي تعيش فيها بسبب هذه الازدواجية. وبالمثل وجدت عزاءها في حكاية أندريا الذي أحبّ فتاة ألمانية سعت أسرتها إلى تغييره وكان هذا بمثابة إهانة وهو ما كشف لها عن قانون الحبِّ الذي أشبه بـ”إحساس خطير ومخيف، يجعلك تتغاضى وتنشي وتتغافل وتهرب من أي محاولة مصارحة مع النفس”.

 تربط الراوِية بين الحاضر والماضي بروابط أشبه بمفاتيح تُسَهِّلُ عملية التنقلات الزمنية فينتقل بها السرد إلى زمن أقدم ومن هذه كلمة “وراء السُّور” التي أشار بها إليها صديقها عمرو في آخر يوم لها في برلين فعلى الفور راحت تستعيد ما وراء السُّور في العجمي والعالم الآخر الخفي الذي كان مغايرا لعالم الصباح و”البلاج” والشواء، وتستعيد أيضًا عالم سور مدرستها “سان جوزيف للبنات”، وما كان يحدث من تدخين ولقاء الطالبات لعشاقهن خلف السُّور وغيرها.

تتعامل ميرنا الهلباوي مع سيرتها لا عبر سرد تعاقبي خطي، كما دأبت السّير التي يكتبها رجل، في محاولة لإبراز النجاح في الحياة العملية، وإنما تسرد وفق منطق الذات الأنثوية التي تسرد أجزاء من حياتها عبر صور متقطعة متشظية. وثمة خصيصة بارزة هنا تتوافق مع السير التي تكتبها النساء، إذ تركز الساردة على ما يمكن وصفه بـ”الأسلوب المهووس بالتفاصيل المركبة”، فهي لا تهمل تفصيلة دقيقة مرت بها إلا وذكرتها. في كتابات سابقة كانت الكتابة الذاتية تجمع بين ما هو حميم وخاص، وبين ما هو عام وسياسي، دون فصل بينهما، هنا نجد التركيز على الشخصي فقط، وهو ما دفع الكثير من القراء إلى اعتبار مثل هذه الكتابات بمثابة ترف زائد للبوح.

15