كتابة الطارئ بين رف الكتب

الأحد 2016/01/17
تقاطع شتى الحقول المعرفية

تحت إشراف المستشرقة الإيطالية إيلينا كيتي، والأستاذة المحاضرة بجامعة ليون الثانية توريا فيلي تولون، وأستاذة الأدب المعاصر بالجامعة نفسها بلاندين فالفور، صدر عن دار لارماتان بباريس كتاب بعنوان “ثورات الربيع العربي بين التخييل والتاريخ”.

بعد مرور خمس سنوات على بداية الحراك الاجتماعي في تونس في 17 ديسمبر 2010، تعكف مجموعة من الباحثين والباحثات من مختلف البلدان، لدراسة ما اعتبر وقتها حدثا طارئا، لم يُحسب له حساب.

والمحاولة هي ثمرة تأمل جماعي تتقاطع فيه شتى الحقول المعرفية، من الفلسفة والتاريخ والعلوم السياسية إلى النقد الأدبي والفني، للتركيز على مفهوم الطارئ وغير المتوقع من خلال الخطاب الجديد الذي وقع تداوله والتعبيرات الأدبية والفنية التي ظهرت في أعقاب تلك الثورات.

◄ أين يدفن الإرهابيون

صدر لعالمة الاجتماع الأميركية ريفا كاستوريانو التي تدرّس في معهد العلوم السياسية بباريس والمدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية في نيويورك كتاب بعنوان “ماذا نفعل بجثث الجهاديين”، الذي انتحروا في أحداث نيويورك 2001، ومدريد 2004 ولندن 2005، تحلل فيه الجواب الذي اهتدت إليه الولايات المتحدة وبريطانيا وأسبانيا انطلاقا من التقارير الرسمية التي تقتفي مسار الجهاديين في الغرب بين 2001 و2005، وكذلك من لقاءات مع السلط العامة في تلك البلدان، والفاعلين المحليين وممثلي الجاليات في بلد النشأة والبلد المضيف.

وخلاصته أن دفن أولئك الشبان له دلالة رمزية وأخلاقية، تحيل على شرعية العدو والاعتراف بقضيته مثل موته. فإيمانهم بسردية هووية حول انتمائهم إلى أمة لا تعترف بحدود، ورفضهم التبعية لأيّ بلد يطرحان مشكل الأرض كانتماء. ما يحيل بدوره على مفهوم الحرب غير الإقليمية، والجسد الذي يستعمل كسلاح لا يخضع لمراقبة الدولة، ويجعل العدالة بالتالي غير قابلة للتطبيق.

◄ استغلال الساسة للمصائب

جديد المؤرخ الفرنسي باتريك بوشرون الذي عيّن مؤخرا أستاذا محاضرا بالكولاج دو فرانس كتاب بعنوان “ممارسة الخوف، استعمالات سياسية للانفعال”، بالتعاون مع الأميركي كوري روبن أستاذ العلوم السياسية في بروكلين، يبينان فيه كيف كان الخوف على مر العصور سلاحا سياسيا رهيبا، ووسيلة قمع لا مثيل لها، وأداة لمصادرة الحريات.

فالخوف من الانحسار الاقتصادي وشبح الحرب وتهديد الإرهاب كلها وسائل يستغلها الساسة للتحكم في رقاب الناس وتوجيه مصائرهم. من إيطاليا في القرون الوسطى إلى الولايات المتحدة في عصرنا الحاضر، يستعرض الكاتبان مختلف الطرق التي يلجأ إليها الحكّام والمؤسسات لاستغلال تأثر المجتمعات بعامل ما، كحادثة أو فاجعة أو مصيبة أو هزيمة عسكرية أو انتكاسة اقتصادية، لفرض هيمنتهم، ويضعان ذلك موضع مساءلة. وهو ما يطرح اليوم في الساحة الفرنسية بعد قانون الطوارئ الذي فرضته حكومة مانويل فالس.

النزعة السلمية على المحك

◄ ما دور الفلسفة إزاء العنف

“الفلسفة في مواجهة العنف” كتاب جديد لمارك كريبون رئيس قسم الفلسفة في مدرسة المعلمين العليا بباريس بالتعاون مع فريدريك وورمس أستاذ الفلسفة بالمدرسة نفسها، يتساءلان فيه: ماذا يمكن للفلسفة أن تفعل أمام العنف؟ سؤال يزداد حدّة وراهنية بعد اعتداءات باريس الأخيرة.

وبلغة صافية تتوجه إلى عموم القراء، يسترجع الكاتبان دور الفلسفة وهي تواجه السياسة، من 1943 سنة صدور كتاب “الوجود والعدم” إلى الآن، عبر وجوه بالغة الدلالة والرمزية. كسارتر مثلا الذي يعطي فلسفة الحرية امتدادا ميتافيزيقيا، أو كامو الذي يرفض العنف ويلجأ إلى العبثية والتمرد، أو ميرلو بونتي الذي يرى أن سُمك الحاضر يفرض على الفعل وسائل الحاضر. فيما سيمون فايل وكنغيلهام وكافاييس يضعون النزعة السلمية على المحك ويقدون تجربة الضرورة. أما ليفي ستروس فيطرح مسألة العنف في مواجهة التنوع البشري، وأما دولوز فينظر إلى البعد النهائي للكائن كاختلاف، فيما يحلل ليفيناس ودريدا المرور من الميتافيزيقا إلى الإيثيقا.

◄ نشأة الجهاد في فرنسا

“لجيل كيبل، المتخصص في جماعات الإسلام السياسي، صدر كتاب بعنوان “رعب في فرنسا، نشأة الجهاد الفرنسي”، يستعرض فيه ما عاشته فرنسا منذ تمرّد شبان الضواحي الباريسية عام 2005 إلى عملية الباتاكلان هذا العام، ليبين كيف أن فشل السياسات الاقتصادية وتهميش شباب الهجرة ما بعد الكولونيالية اجتماعيا وسياسيا دفعا ببعضهم إلى التوسل بنموذج “إسلام شامل” مستوحى من السلفية للالتحاق بالقطب الجهادي الذي يريد تدمير الغرب “الكافر”.

وكان لظهور جيل جديد من مسلمي فرنسا والتحولات الأيديولوجية للجهادية دور في انبهار عدد من الشبان الفرنسيين بالمعارك في سوريا والعراق، ثم انضمامهم إلى جبهات القتال، قبل أن ينقلوا عملياتهم داخل فرنسا. في الوقت نفسه صار صعود اليمين المتطرف وخاصة حزب الجبهة القومية يهدد بتصدع المجتمع الفرنسي الذي يواجه اليوم خطر أطراف متطرفة من الجهتين تريد أن تفرض مناخ رعب وربما حربا أهلية.

◄ بارت وسوليرز

“صداقة رولان بارت” كتاب جديد لفيليب سوليرز يخصصه للسيميائي الشهير رولان بارت بمناسبة الاحتفال بمئوية مولده، ويروي بعد ستة وثلاثين عاما من رحيل بارت الصداقة التي جمعتهما، في نطاق اشتراكهما معا في الإيمان بالأدب كقوة ابتكار واكتشاف وتجدد وموسوعية. ويسرد كيف كانا يلتقيان بانتظام، ويتبادلان كثيرا، ويشتركان في معارك هامة ضدّ النزعات الأكاديمية والارتدادات السياسية والأيديولوجية، وكيف أن بارت أنار عمل سوليرز بمقالات لم تفقد راهنيتها، فيما كان سوليرز ناشر بارت منذ عام 1964، في سلسلته التي أنشأها بدار سوي “تيل كيل” (كما هو). ليؤكد أنهما كانا قريبين من بعضهما بعضا رغم اختلافهما في مباحث كثيرة، ويسترجع ما مثله لقاؤهما وما لا يزال يمثله من رهانات. ويختتم الكتاب بنحو ثلاثين رسالة ودية ومؤثرة كان سوليرز تلقاها من صديقه بارت.

12