كتابة اللارواية

المهتمون بالفن الروائي يدركون أن بناء رواية على صيغة رسائل متبادلة بين الشخصيات هو من أساليب البناء التي لا تحتاج إلى قوة حبكة ولا إلى اشتغال درامي.
الاثنين 2018/09/10
يمكن للرسائل أن تساهم في تمييع الروايات وتسطيحها (لوحة: عمار داوود)

هل الروائي مدبج رسائل؟ هل الرواية قناع من أقنعة المراسلات المضمرة في ثناياها؟ تشتمل كل رواية على عدد من الرسائل المبطنة التي يحرص الروائي على تغليفها بأسلوب فني بحيث يخرجها من قيد المباشرة التي لا تخلو من نبرة وعظية أو تلقينية إلى رحابة السرد الذي يرتقي باللغة ولا يرتكن لقيود مفترضة.

وصفت الرسائل بأنها أطروحات، وهي تخرج من إطار التقييد الحرفي للكلمة، ذلك أن الكلمة تتسع بالمدلولات والمعاني وتكتسي من خلالها قوتها وحضورها في سياقات مختلفة، ولا يكون إبعاد الرواية عن صيغة الرسالة أو تجنيسها بها مذمة بقدر ما يكون تحريراً للمعنى من سطوة استخدام وظيفي للكلمة.

يلجأ بعض الروائيين إلى أسلوب التراسل في أعمالهم، بحيث يعتمدون الرسائل أداة فنية لبنائها، فترى الشخصيات تتبادل الرسائل فيما بينها، تبوح بما يهمها وما تعانيه وتعيشه، وتنقله إلى الآخر المتلقي لها، والذي يمكن أن يمنحه الروائي حق أن يكون مرسلاً بدوره، أو يبقيه في موقع المرسَل إليه فقط، يتلقى رسائل الراوي ويشكل له جدار حماية من أي انزياح، أو يوضع في موقف الملقى على عاتقه تبريره.

كثرت عناوين روايات تبدأ بـ”رسالة إلى..” ويمكن أن يكون المرسَل إليه المفترض صديقة، صديقا، ملكاً، نبياً، القدر، إلهاً، مدينة، زمناً.. وهناك عناوين أخرى استهلت بـ”رسالة من..” وهنا يكون المتلقي مضمراً في الرواية، والمرسل آخر قابعاً في ركن ناءٍ.. وهناك صيغ جمع مستخدمة كذلك كأن تكون الرواية “رسائل..” أو “مراسلات..”..

يمكن أن توضع الرواية في زاوية يتم التضييق عليها، ويتم تحويلها إلى “إيميل” فقط.. وهنا تتم الإطاحة بالبناء الروائي بحثاً عن بهرجة الدخيل المتغنى به

يمكن الاتكاء على أطروحات ذات وقع رنان، “رسالة في الطب”، “رسالة في الفلسفة”، “رسالة في الأخلاق”.. وغيرها من الرسائل التي تفترض التقدم للقارئ باعتبارها حمالة علم في ميدانها، وذات مضمون معرفي مهم ينبغي استقبالها وتلقيها والاحتفاء بها وتقدير المرسل المدبج لها، لكن استدراجها من سياقها التاريخي لترهينها وتوظيفها روائياً يبدو لعبة لا تخلو من تسطيح.

يدرك المهتمون بالفن الروائي أن بناء رواية على صيغة رسائل متبادلة بين الشخصيات هو من أساليب البناء التي لا تحتاج إلى قوة حبكة ولا إلى اشتغال درامي بحيث يكون تشابك الخيوط والمحاور راسماً لعوالم الرواية ومؤثثاً لها، بل يتصدر كتخريجة فنية لا تحتاج إلى هندسة كبيرة لإتمام العمارة الروائية، ويمكن أن يغفَر من خلالها للروائي شطحاته وانزياحاته، كما يكون التحرر من إسار الزمان والمكان قابلاً لتبرير سريع مفترض، وهو أن الرسائل تصنع زمنها.

يمكن للرسائل أن تساهم في تمييع الروايات وتسطيحها، بحيث تتحول إلى ثرثرات بين شخصيات تائهة تفتقد بوصلة للإبحار في شواطئ السرد الثرية التي تحتاج إلى مهارة وصنعة وحنكة لمقاربتها والإبحار فيها.

كما يمكن أن توضع الرواية في زاوية يتم التضييق عليها، ويتم تحويلها إلى “إيميل” فقط.. وهنا تتم الإطاحة بالبناء الروائي بحثاً عن بهرجة الدخيل المتغنى به، ذاك الذي يفسد ولا يُنجد بأي شكل من الأشكال.

15