كتابة تاريخ الهامش

في هذا المناخ برزت في حياتنا الثقافية بعض الكتابات التاريخية المكرسة للهوامش منها كتابات الجزائري محمد أرزقي فراد التي تنتصر للسرديات الصغرى المنسية في تاريخه الوطني.
الجمعة 2018/04/06
تاريخ المعلمين وتطور مهنتهم مهمش

منذ عدة سنوات تعرّفت على سيدة بريطانية الجنسية وبولندية الأصل تعيش بمدينة هيستنغز البحرية وعلى مقربة من بيتي المطل على بحر المانش في ذلك الوقت. وفي إحدى الأيام فاجأتني تلك السيدة بهدية رمزية وهي عبارة عن كتابها الذي أرّخت فيه لأطوار انخراط نساء محافظة ساسكس بجنوب بريطانيا في العمل بحقل السكك الحديدية كسائقات، ومفتّشات، ومهندسات للقطارات، وكميكانيكيات متخصصات في إصلاح عطبها أو الإشراف على صيانتها وتجديدها وتحديثها أيضا.

وأنا أقرأ ذلك الكتاب الممتع والغني بالمعلومات والتحليلات المثمرة للخلفيات الثقافية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية لهذه المنطقة وسكانها عبر التاريخ القديم والحديث والمعاصر تعرفت على سير ونضالات العشرات من النساء التي أهملتها الكتب التاريخية التقليدية، التي تتصف بالطابع الأكاديمي النخبوي المتزمت.

 لقد جعلتني تلك التجربة أدرك أن كتابة تاريخ المهمشين والمهمشات ينبغي أن يتكرس في بلداننا خاصة وأن هذا النوع من الكتابة التاريخية قد أصبح في أوروبا تقليدا مزدهرا بعكس بلداننا التي تعتبر حرفة التأريخ فيها امتيازا أكاديميا ينحصر في شريحة الدكاترة التقليديين الذين يغالون في كتابة التاريخ الرسمي أو تاريخ الحكام، أو الشخصيات التي ترفع إلى مراتب الرموز المطلقة.

 وفي الواقع فإن المفكر الفرنسي ميشال فوكو قد هاجم في كتابه الشهير “حفريات المعرفة” هذا النمط من تقاليد الكتابة التاريخية التي يسعى أصحابها إلى احتكار الحقيقة التاريخية من خلال محاولاتهم أن “يكشفوا، خلف تغيرات السياسة وتقلب أحوالها، التوازنات القارة التي يعسر الإخلال بها، والتطورات التي لا ترتد على عقبها، والانتظامات الثابتة، والظواهر الميالة التي تنقلب عندما تصل إلى أوْجها بعد أن تكون قد استمرت حقبا زمنية طويلة، وحركات التراكم والإشباع البطيء، والدعائم العظيمة الخرساء التي كساها تشابك الحكايات التقليدية بغلاف سميك من الأحداث”.

 على أنقاض هذا التقليد الاحتكاري في كتابة التاريخ يدعو فوكو إلى كتابة التواريخ الصغرى والمهمشة والمنسية مثل “تاريخ الطرق البحرية، وتاريخ القمم ومناجم الذهب، وتاريخ الجفاف والري والأراضي” وهلم جرّا. من المؤلم جدا أن التاريخ الذي كتب ولا يزال يكتب في بلداننا هو تاريخ القبيلة المنتصرة، والزعماء وحكام الدول وهكذا دواليك، أما تاريخ المعلمين وتطور مهنتهم، والمزارعين والفلاحين وحياتهم اليومية ومخزون ثقافتهم الشعبية، والبنائين وعلاقتهم بخلق أبنية الفضاء وإيقاعها النفسي وغيرهم، فهو مقصي على صعيدي التنظير لماهية التاريخ، والسرد التاريخي الذي يبرز التضاريس المعلنة والمضمرة لتحولات المجتمع.

 في هذا المناخ برزت في حياتنا الثقافية بعض الكتابات التاريخية المكرسة للهوامش منها كتابات الجزائري محمد أرزقي فراد التي تنتصر للسرديات الصغرى المنسية في تاريخه الوطني.

15