كتابة تفك الاشتباك بين الرواية والسيرة الذاتية

بات واضحا أن الرواية أصبحت اليوم ديوان العرب، إذ تقدمت على الشعر، ومع هذا التقدم بدأ البحث عن أساليب التجريب التي تجعل عملا روائيا ما مميزا عن غيره، وكما حدث مع الشعر لجأ كثير من الكتاب إلى استيراد تقنيات غربية لم تزل في مرحلة التطوير والتجريب ولم تستقرّ بعد.
الأربعاء 2015/06/17
كثير من الكتاب لجأوا إلى استيراد تقنيات لم تتشكل بعد

من هذه التقنيات مصطلحان يختلطان بشدة ويعتريهما غير قليل من انعدام دقة التحديد، هما (Meta-Fiction) الذي يحلو للكثيرين ترجمته بصياغة مشوهة هي “ميتا سرد” انطلاقا من “عقدة الخواجة” كما يقول المصريون، ولا أظن أن هناك مشكلة في الترجمة الصحيحة ما وراء السرد بدلا من تعبير أعرج نصفه لاتيني ونصفه عربي.

أما المصطلح الثاني الذي يختلط بالأول فهو (Auto-Fiction) الذي استقرت ترجمته على التخييل الذاتي وأراها ترجمة معقولة. وسنحاول هنا فك الاشتباك بين المصطلحين وتحديد دلالتيهما بوصفهما تقنيتين سرديتين.

ظاهرة ثقافية

أما ما وراء السرد فهي ظاهرة ثقافية قبل أن تكون جمالية، قائمة على تغيير فلسفة العمل الروائي، ويمكن مقاربتها بما يعرف في المسرح (Presentational Theatre) أو مسرح التغريب البريختي وما يسميه بعض الدارسين “نظرية المسرح التعليمي”، فقد عمد برتولد بريخت على هدم جدار المسرح الرابع وجعل الجمهور جزءا من العمل المسرحي بحيث يكون في ذهنه دائما أن ما يشاهده ليس سوى تمثيل، وهكذا سيعمل وعيه بدل عاطفته مما يتيح فرصة التحريض على الواقع.

طالب الرفاعي اشتغل في رواياته بتقنية التخييل الذاتي

هذه الفكرة ذاتها هي لب تقنية ما وراء السرد، فالهدف قبل كل شيء جعل القارئ واعيا طوال مدة القراءة أن العمل ليس سوى رواية وعليه أن لا يتوهم أنها أحداث حقيقية.

ومن المهم أن نشير إلى أن بريخت نفسه استلهم رؤيته المسرحية من الدراسات الأدبية للشكلانيين وتحديدا من مقولة تفيد أن انتزاع حدث ما من تسلسله الواقعي وزرعه في تسلسل سردي سيؤدي حتما إلى تغريبه.
يتيح ما وراء السرد طيفا واسعا من التقنيات التي تؤدي الغرض، شاع منها أن تكون الرواية متضمنة داخل رواية أخرى، لكن هناك الكثير من التنويعات منها:
*التلاعب بثوابت الرواية التقليدية "العنوان، بناء الشخصيات، المكان، الفقرات والفصول، الحبكة" حتى تبدو أنها لعبة يتحكم فيها الكاتب.

*أن يفضح الراوي نفسه بأنه هو من يكتب الرواية.

*أن يظهر القراء داخل العمل ويجبرون المؤلف على تغيير مصائر الشخصيات.

*أن يضع المؤلف تعليقاته في حواشي الصفحات.

*أن تعبر الشخصيات عن قلقها من أن تكون محض شخوص رواية يتحكم فيها المؤلف.

*أن تقوم الشخصيات بالإشارة إلى المؤلف أو أعمال سابقة له.

زين عبدالهادي اختار تقنية ما وراء السرد

وقد يكون المثال الواضح هنا رواية “أسد قصر النيل” للروائي المصري زين عبدالهادي، الذي تشير إليه الشخصيات على امتداد الرواية بأنه هو المتحكم في مصائرها، كما يظهر هو نفسه وهو يمارس فعل الكتابة في الفصلين الأخيرين منها.

بين الرواية والسيرة الذاتية

أما التخييل الذاتي فهي تقنية تقوم على أن يضع المؤلف نفسه -باسمه الحقيقي وصفاته الشخصية وبقدر محدود من سيرته- داخل الرواية بوصفه شخصية روائية يغلب أن تكون ثانوية ولكن بقصد الإيحاء بأن أحداث الرواية حقيقية وأنه شاهد عليها، فالهدف هنا تماما عكس ما ترمي إليه تقنية “ما وراء السرد”.

ويمكن القول إن التخييل الذاتي جنس من الكتابة السردية يقع في منطقة تتوسط بين الرواية والسيرة الذاتية وتقترب من أحد هذين الطرفين أو تبتعد عنه بقدر ما يضع الكاتب من مكوناته في عمله.

وقد اشتغل بهذه التقنية الروائي الكويتي طالب الرفاعي في رواياته الخمس، وفي مجموعته القصصية “الكرسي”. غير أنه يستغل التوسط بين الرواية والسيرة بمرونة، فبينما يبدو طالب الرفاعي في رواية “سمر كلمات” شخصية ثانوية، يظهر في رواية “الثوب” شخصية رئيسية لتقترب الرواية من شكل السيرة الذاتية بشدة.

ما نخلص إليه هو أن التقنيتين متعارضتان في الهدف فبينما ترمي ما وراء السرد إلى انتزاع القارئ من وهم تصديق الأحداث، تهدف تقنية التخييل الذاتي إلى إقناعه بأن كل شيء حقيقي وأن المؤلف شاهد عليه.

14