كتاب أسود عن اضطهاد المسيحيين يثير جدلا حول معضلة التطرف

الخميس 2014/10/30
الأديان في جوهرها لا تنزاح عن مبدأ التسامح، التطرف وحده يخلق الضغائن والنزاعات

باريس - الدور الذي يمكن أن يضطلع به رجال الدين والمفكرون والفلاسفة في التقريب بين وجهات النظر والتصدي للصراعات الإتنية القائمة على أسس دينية أو عرقية أو مذهبية، يبقى الأنجع والأقرب إلى تحقيق هدف التعايش بين بني البشر وفق مبادئ التسامح الكوني. هدفٌ تجلّت إرادة تحقيقه، مؤخرا، لدى ثلة من المفكرين من جنسيات مختلفة، اختاروا أن يوجهوا رسالة صداقة بين الأديان، انطلاقا من تعديد الانتهاكات ومحاولة الوقوف على أسبابها، في كتاب.

المسيحيّون شأنهم شأن العديد من أصحاب الديانات الأخرى يتعرضون للاضطهاد في مناطق عديدة من العالم، إذ “يُحظر على حوالي 150 مليونا من أتباع الديانة المسيحية، ممارسة حريتهم وشعائرهم في أنحاء مختلفة من العالم”، حسب ما أفاد به المؤرخ الإيطالي اندريا ريكاردي، مؤسس جماعة سانت ايجيديو التي تقول إنها تعمل من أجل نشر السلام في العالم، في كتاب ساهم في صياغته، وصدر مؤخرا في فرنسا، يحمل عنوان “الكتاب الأسود لظروف المسيحيين في العالم” (منشورات اكس او).

هذا الكتاب، شدد ريكاردي على أنّه لا يعمل على خوض في مواجهة مع الإسلام أو أيّ من الديانات الأخرى، كما أنّه “يخلو من أيّ ميل لإثبات العقيدة أو إثارة الجدل، وتقتصر أهدافه على إبراز حجم ظاهرة معاداة المسيحيين واستهداف الحرية الدينية عموما”، وفق تعبيره.

وفي ذات السياق، اعتبر اندريا ريكاردي المدير المشارك في إعداد هذا الكتاب الذي يمتدّ على 800 صفحة، والذي سيصدر قريبا في إيطاليا، أنّ الاضطهادات التي يتعرض لها المسيحيون، لم تنل ما تستحق من الدراسات والبحث، بسبب “الشعور بالذنب” الناجم عن أعمال العنف التي ارتكبت باسم المسيحية عبر التاريخ.

لكن الأسقف الفرنسي جان ميشال دي فالكو، الذي شارك بدوره في إدارة مشروع هذا الكتاب الذي حرّره 70 كاتبا من 17 جنسية، قال من جهته، “من واجبنا اليوم أن نتحدث وأن ننتفض على مثل هذه الممارسات التي تستهدف حرية الإنسان وتهدد قيم التسامح والتعايش”. هذا وقد أفاد “الكتاب الأسود” بأنّ بين “100 و150 مليون مسيحي يتعرضون للاضطهاد في العالم، وأن ثلاثة أرباع أعمال العنف الديني في العالم تستهدف المسيحيين”، مشيرا إلى “أنّ هذه الممارسات المعادية تحدث في 137 بلدا، حيث يمارس العنف أو التمييز ضدهم”.

من جهته، قال الخبير الأميركي في شؤون الفاتيكان، جون آلن، إنه “من الصعوبة بمكان الحصول على أرقام تتصف بمزيد من الدقة حول هذه الظاهرة”، مشيرا إلى الفجوة الواسعة في التقديرات المتعلقة بعدد المسيحيين الذين يقتلون سنويا، فهي “تتراوح بين 7 آلاف و100 ألف”، حسب ما أفادت به مصادر مختلفة.

اضطهاد المسيحيين لا يمت بصلة للإسلام الحنيف الذي يشجع على قبول الآخر ويحمل في جوهره كل قيم التسامح

ومع ذلك، لا تخامر جون آلن شكوك في أنّ كثيرا من المسيحيين يتعرضون للاضطهاد على الصعيد العددي، لأنهم، “أكبر مجموعة دينية في العالم يبلغ عدد أتباعها 2،3 مليار شخص”، وفق تعبيره.

وعلى غرار المؤلفين الآخرين، يرفض آلن نظرية “صراع الحضارات” بين العالمين المسيحي والمسلم، لكنه لا يميل إلى التنكر للواقع أيضا. حيث قال إنّ “الإسلام المتطرف هو بالتأكيد أحد أبرز الأسباب في العالم لبغض المسيحيين”.

لكنه تغافل بالمقابل، حسب عدد من القراء المسلمين الذين اطلعوا على مضامين الكتاب، عن حقيقة مفادها “أنّ أيّ تطرّف منوط بأية ديانة كانت سواء تعلق الأمر بالإسلام أو بالمسيحية أو بغيرهما من الديانات، يسهم بدوره في تأجيج الكراهية، ولو تلاشت هذه المظاهر والاتهامات وعمّت مكانها قيم التآخي والتسامح والتحابب، فيسهل التعايش من ثمة بين أصحاب جلّ الديانات على اختلافهم”، وفق رأيهم.

وفي سياق متصل، أشاروا إلى أنّ ممارسات جهاديي “تنظيم الدولة الإسلامية” تجاه المسيحيين والأقليات الدينية الأخرى في كلّ من العراق وسوريا، هي أعمال معزولة ولا تمتّ بصلة إلى الدين الإسلامي الحنيف الذي يشجّع على قبول الآخر ويحمل في جوهره كل القيم التي تحضّ على التسامح، لافتين إلى وجود حركات متطرفة أخرى تتعرض للكاثوليك والبروتستانت والأرثوذوكس وكذلك المسلمين في أماكن مختلفة من العالم، شأن القوميين الهندوس والبوذيين المتشدّدين في الهند وفي سريلانكا، وكذلك النظامين الشيوعيّين في كلّ من الصين وكوريا الشمالية.

ولذلك وجب، حسب رأيهم، “عدم ربط اضطهاد المسيحيين في العالم بالإسلام والمسلمين، لأنّ في ذلك تجنّ كبير”، وفق تعبيرهم.

الكتاب فسح المجال أمام رجال دين مسلمين ويهود للمشاركة في رسالة صداقة وتعايش بين الأديان

تجدر الإشارة إلى أن النزاعات الإتنية، التي عادة ما تقف وراء اندلاعها أجندات سياسية، كما يحصل في أفريقيا الوسطى بين ميليشيات مسيحية وأخرى مسلمة، تسفر عن سقوط ضحايا من الطرفين، أمّا في أميركا اللاتينية، فيتعرض رجال الدين للقتل عندما ينتقدون الفساد أو تجارة المخدرات.

وبالعودة إلى تفاصيل الكتاب، الذي يعاين أوضاع المسيحيين في كل مناطق العالم، نجد تأكيدا على “أنّ المسيحيين في سوريا على سبيل المثال، يدفعون أيضا ثمن الحرية التي يتوق إليها الشعب الثائر على نظام بشار الأسد”.

ولكي يخرج المسيحيون من هذه الحالة ويتمكنوا من إنهاء مأساتهم، “من المهم جدا أن يعملوا مع أتباع الديانات الأخرى”، وفق تعبير البريطاني تيموثي رادكليف، الذي ساهم أيضا في إدارة مشروع الكتاب.

تيموثي رادكليف، الرئيس العام السابق لرهبانية الدومينيكان، أضاف قائلا: “نرى بوضوح أن المسيحيين لا يقاسون وحدهم الصعوبات في الشرق الأوسط، بل إن المسلمين يواجهون ظروفا أسوأ”.

وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أنّ “الكتاب الأسود” فسح المجال أمام رجال دين مسلمين ويهود، مثل إمام المسجد الكبير في بوردو (جنوب غرب فرنسا) طارق أوبرو والحاخام الأكبر في فرنسا حاييم كورسيا، للمشاركة في رسالة الصداقة والتعايش هذه بين الأديان.

كما يذكر أنّ الفيلسوف الفرنسي، اندريه كونت-سبونفيل، اضطلع بدور “الملحد” في هذا المُؤلّف، وكتب أنّ “الدفاع عن المسيحيين عندما يتعرضون للتهديد بسبب إيمانهم، لا يعني الدفاع عن ديانة ضدّ أخرى، بل يعني الدفاع عن حريتنا المشتركة بأن نؤمن أو لا نؤمن، في أي مكان يتعرض فيه الإنسان للمضايقة بسبب معتقداته”.

13