كتاب الأثر الواحد

الأدب حرفة، والحرفيّ يتعهّد صنعته بصقل مادته وتهذيب أدواته، ليطور نتاجه ويجنح به إلى الكمال، ولا ينقطع عن حرفته إلا إذا أحسّ بانسداد أفقه، أو رغب في حرفة أفضل، أو أرغمته صروف الحياة عمّا يحب.
الخميس 2018/06/21
أثر واحد كفيل بتخليد اسم صاحبه (لوحة عدنان حميدة)

هل يحتاج كاتب الرواية إلى إنتاج غزير كي يثبت حضوره، أم أن أثرا واحدا كفيل بأن يخلّد ذكره؟

تزخر مدونة الرواية العالمية بالمثالين، إذ ثمة من حقق بروزه وتميّزه بأعمال عديدة، أقامها لبنة لبنة طوال وجوده العابر في هذا الكون، أمثال تولستوي، وديستوفسكي، وبلزاك، وفكتور هوغو، وكواباطا، وهمنغواي، ودوس باسوس، وبرغاس يوسا، وجورج أمادو، وإرنستو صابطو، وزفايغ، وهاينريش بول، ونجيب محفوظ، وعبدالرحمن منيف…

ولو أن أسماء بعضهم ظلت لصيقة بأثر جليل مفرد، مثل “زوربا” لليوناني كزانتزاكيس، و”الصخب والعنف” للأميركي وليم فوكنر، و”مائة عام من العزلة” للكولومبي ماركيز، و”الغريب” للفرنسي ألبير كامو، و”الجبل السحري” للألماني توماس مان، و”الساعة الخامسة والعشرون” للروماني قسطنطين جيورجيو، و”الأشياء تتداعى” للنيجيري شنوا أشيبي.

وثمة أيضا من أقام مجده على أثر وحيد، ظل حديثا بعده، يتدارسه الطلاب والباحثون، ويتأسفون أحيانا من نضوب حبره قبل أن يمضي بمشروعه إلى غايته. وعادة ما يعزى الانقطاع إلى أسباب قاهرة، ذاتية، أو موضوعية.

بقي أن نقول إن الأدب حرفة، والحرفيّ يتعهّد صنعته بصقل مادته وتهذيب أدواته، ليطور نتاجه ويجنح به إلى الكمال، ولا ينقطع عن حرفته إلا إذا أحسّ بانسداد أفقه، أو رغب في حرفة أفضل، أو أرغمته صروف الحياة عمّا يحب.

كذلك الكاتب، فهو يقضي حياته في شحذ أدواته وتطوير تجربته لتصوير واقعه برؤية جديدة، وتخير صيغ تعبيرية مستحدثة، وابتكار عوالم عجيبة وغريبة، إلا إذا حالت بينه وبين عمله ضرورة قاهرة، كحال الفرنسي ألان فورنيي الذي قتل في عز شبابه خلال الحرب العالمية الأولى، ولم يترك سوى رواية “مولن الكبير”؛ أو كبّلته عقدة النجاح، شأن الأميركي سالنجر الذي لم يستطع شفع عمله الرائع “الحارس في حقل الشوفان” بعمل ثان؛ أو أودع كل ما عنده في عمل فريد كالفرنسي بيير شودرلوس دو لاكلو، في “العلاقات الخطرة”، ربما لأنه كان عسكريا غداة اندلاع الثورة الفرنسية، ولم يترك له الواجب فرصة التبحّر في سبر العلاقات الإنسانية المعقدة.

وقس على ذلك الأختين برونتي في “مرتفعات لوذيرنغ” لإيميلي، و”جان إير” لشارلوت، وكلتاهما رائعتان لم تُشفعا بثانية. ولعل أغرب مثال في هذا المضمار الأميركي جون كنيدي تول، فقد انتحر لأن الناشرين رفضوا نشر روايته “تحالف الأغبياء”.

 ولما صدرت بعد وفاته بإحدى عشرة سنة، فازت بجائزة الرواية في الولايات المتحدة، وصارت أكثر الروايات مبيعا، وعدّها النقاد أنموذجا متميّزا للرواية الساخرة الحديثة، بل إن عنوانها وحده غطى على اسم مؤلفها.

15