كتاب التصوف

السبت 2016/01/09

احتل الإنتاج في مجال التصوف مكانة خاصة في مسار الكتابة بالمغرب. وقد شغل، خلال قرون، الرتبةَ الثانية، من حيث عدد العناوين، بعد الإنتاج الفقهي، كما يتأكد من المعطيات الببليوغرافية لعملين ضخمين حاولا إعطاء صورة واضحة عن مجمل الإنتاج الثقافي بالمغرب، وهما “التقاط الدرر” لمحمد بن الطيب القادري، و“معجم طبقات المؤلفين” لعبدالرحمان ابن زيدان.

وتعدّ حركيةَ التأليف في مجال التصوف بالمغرب ترجمة فكرية لممارسة تصوفية عرفها البلد، منذ قرون، وأخذت شكلا منظَّما خلال القرن الخامس عشر الميلادي مع الطريقة الجزولية، ليتجاوز بذلك طابعه الفردي، وليتحول، حسب الباحث مصطفى الشاذلي، إلى ممارسة اجتماعية، تجلت امتدادات تنظيمها عبر جهاز من الجماعات والزوايا والطوائف والأجهزة الاقتصادية والاجتماعية. وهي ممارسة اقتضت وجود أشكالها التعبيرية الخاصة، سواء الشفاهية منها، وارتبطت بطقوس الممارسة الصوفية في حدّ ذاتها، أو الكتابية.

وتجلَّت أهمية الشكل التعبيري الأخير، على سبيل المثال، من خلال حجم الإنتاج الصوفي، الذي عرفه تاريخ المغرب. وهو إنتاج، يمكن التمييز داخله بين جانبين.

اتسم الأول بالتداخل بين اهتمامات مؤلّفيه وانتمائهم لزواياهم. وتجلى ذلك، أساسا، في أعمال علماء أسسوا زواياهم أو طرقهم الخاصة، ومنهم أحمد بن قاسم التادلي، وهو مؤسس زاوية الصومعة بمدينة داي (بني ملال حاليا)، وامحمد بن أبي بكر الدلائي، وأحمد بن البدوي زويتن، مؤسس الطريقة البدرية، وامحمد ابن ناصر الدرعي، مؤسس الطريقة الناصرية. كما تندرج، في نفس الإطار، أعمال مؤلّفين منتمين إلى عدد من الطرق والزوايا، كالطريقة القادرية، والزاوية الحمزاوية، ومنها أعمال أبي سالم العياشي، والزاوية الناصرية، ومنها كتاب “طلعة المشتري في النسب الجعفري” لأحمد بن خالد الناصري والزاوية التيجانية، ومنها أعمال احمد بن الحاج العياشي سكيرج.

أما الجانب الثاني للإنتاج في مجال التصوف، فيعود إلى علماء لم يكونوا بالضرورة منتمين صوفيا. ويندرج في هذا الإطار، المؤرخ ابن زاكور، صاحب كتاب “الاستشفاء من الألم بمولانا عبدالسلام صاحب العلم”، والحسن بن مسعود اليوسي، صاحب “رسائل في التصوف”.

الطرق والطوائف الصوفية كانت حريصة على توظيف وسائل جديدة في تنافسها على استقطاب منتمين جدد وإشاعة أفكارها، ولذلك كانت سباقة إلى استعمال تكنولوجيا الطباعة فور دخولها المغرب، وهو ما يفسره طبع أحزابها الخاصة وشروحها، أو حجم عدد العناوين التي تمّ طبعها، ما بين سنتي 1865 و1920، والذي تجاوز 130 عنوانا.

هذا الحضور بالطبع، لم يكن ليمر بشكل عابر، إذ يحتفظ تاريخ التأليف بالمغرب بعدد هام من مؤلفات الرد على المتصوفة ونقد طقوسهم وممارساتهم، ولعل أبلغها مؤلف أحمد بن محمد المرنيسي الذي سماه “جزء في إنكار البدع والتنديد على متصوفة العصر والتشنيع عليهم باجتماعهم على الرقص وضرب الطبول والنفخ في المزامير”.

كاتب من المغرب

17