كتاب التيه لحسونة المصباحي.. إشراقات الرحلة المعرفية

الكتاب نوع من الاشتباك الثقافي والمعرفي بين أمكنة يرتادها الكاتب التونسي بحثا عن معنى واضح لهوية الإنسان المعاصر.
الجمعة 2019/12/13
كاتب في جولة بين المدن

تونس - يبدو  أدب الرحلة من أهم الآداب التي توفر للقارئ متعة ومعرفة بالمدن والحضارات من مختلف الأصقاع. وقد برزت  في الأدب العربي القديم أسماء عديدة كتبت في هذا الجنس على غرار ابن بطوطة والمسعودي صاحب كتاب مروج الذهب ورحلة السيرافي بحرا إلى المحيط الهندي والمقدسي صاحب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، والإدريسي في نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، وغيرها كثير.

ولئن اعتبر القرن السادس هجري (الثاني عشر ميلادي) من أكثر القرون إنتاجا لأدب الرحلة، فلقد ذهب النقاد إلى أن أغلب تلك الكتب كانت تنتمي إلى الدراسات التاريخية والجغرافية التوثيقية أكثر من انتمائها إلى الأدب.

ووصولا إلى القرن التاسع عشر، أصبح أدب الرحلات شكلا فنيا داخلا في الأدب كتب فيه رفاعة رافع الطهطاوي، حسن فوزي، توفيق الحكيم وغيرهم..

تراجع هذا الجنس عما كان عليه في العصور السابقة حتى القرن الحادي والعشرين رغم توفر وسائل جديدة ومريحة للسفر والترحال حيث أصبح السفر جزءا من الحياة اليومية.

من بين كتب أدب الرحلة الحديثة “كتاب التيه” الذي صدر هذه السنة عن دار نقوش عربية للكاتب والروائي التونسي حسونة المصباحي. كتاب من 247 صفحة يسرد رحلات إلى مدن من الشرق والغرب، من “الهروب إلى الأندلس” إلى “سرايفو في نقاهة ما بعد الحرب”.

كتاب التيه لا يتوقف عند الرحلة في المكان بل يسافر في الزمان. إنّه نوع من الاشتباك الثقافي والمعرفي بين أمكنة يرتادها الكاتب بحثا عن معنى واضح لهوية الإنسان المعاصر كما جاء في مقدمة الكتاب.

كتاب يسافر في الزمان
كتاب يسافر في الزمان

تأتي نصوص كتاب التيه في شكل زيارات لمدن مختلفة بحثا عن المتعة والمعرفة واكتشاف ثقافات الآخر. إذ يستهل  المصباحي النص الأول “الهروب إلى الأندلس” في رحلة ممطرة عبر القطار من باريس وصولا إلى مدريد. ومنها إلى مدن إسبانية أخرى.

الأندلس، فاس، الدار البيضاء، أصيلة، طنجة، باريس، القيروان، زيوريخ، ميونيخ، ستوكهولم، فينّا، برلين، سردينيا.. وصولا إلى سرايفو.

مدن ورحلات ونصوص تدور في فلك الزمان والمكان (الزمكان) ملتصقة بهموم الإنسان وهواجسه، بانتصاراته وخسائره. بالجمال الذي فيه والقبح الذي يسكنه. هي رحلات المصباحي الإنسان والكاتب، الحالم والمخذول. لكن وسط كل ذلك ثمة رغبة في سبر أغوار الإنسان أينما كان.

جميع نصوص هذا الكتاب تقريبا هي رحلات بحث عن كتّاب التيه، فيها يروي لنا الكاتب زيارته لمدن كتّاب وشعراء وروائين عالميين مثلما نجده في نص “صباح هادئ في فوانتا فاكيروس” وهي زيارة إلى قرية لوركا والتي يستهلها حسونة المصباحي برغبته الدائمة في زيارة مدينة أو قرية ولد فيها مبدع كبير “أعترف أن لي رغبة دائمة، ومتعة خاصة في أن أزور مدينة أو قرية ولد فيها مبدع كبير. ويستهويني أن أبحث عن آثاره في مكانه وعن كل ما شكّل عوالمه قبل تفتح موهبته“.

وهكذا كانت زيارته إلى قبر جين جينه في باريس وقبر جيمس جويس في زيوريخ.

أما التوهان في فاس فقد كان لاقتفاء أثر ابن خلدون بين الأسواق القديمة والشوارع الملتوية، ومنها يأخذنا الكاتب إلى لقاءاته بالكتاب المغاربة في الدار البيضاء وأصيلة وطنجة مثلما في نص “ليلة مع محمد شكري في طنجة”، ويقول فيه “ليس من الصعب العثور على محمد شكري في طنجة، أغلب ماسحي الأحذية وباعة الصحف والمجلات ونادلي المقاهي والمطاعم يعرفونه”.

في هذا النص يستعرض لنا الكاتب سيرة محمد شكري على لسانه وبداياته الأولى مع الكتابة ولقائه بجين جينيه.

ومن أجمل النصوص في هذا الكتاب هو النص الأخير “سرايفو في نقاهة ما بعد الحرب”، الذي يتضمن رحلة المصباحي إلى سرايفو المدينة التي كانت مسرحا لأحداث كبرى.

 يقول الكاتب في هذا النص “مدينة دفعت الثمن غاليا مثل بيروت وبرلين وغدانسك، لأنها جسدت التسامح بين الأديان، والجنسيات واللغات وعلى مدى سنوات طويلة قاومت جنون القتلة وحقدهم متحدية الموت والجوع والبرد ولا مبالاة الرأي العام العالمي”.

وفي هذه الرحلة التقى بالشاعر عزت سرايلتش ودار بينهما حوار عميق حول الفن والحرب، وموقفه الغاضب من أوروبا التي تفاخر بأنها موطن الحرية والأنوار وكرامة الإنسان في حين أنها بقيت لسنوات طويلة وهي مكتوفة الأيدي أمام المجازر الفظيعة التي كانت ترتكب يوميا.

هذا الكتاب ليس فقط توثيقا لرحلات المصباحي إلى مدن من الشرق والغرب اقتفاء لأثر كتاب عظماء وحضارات من هنا وهناك بل هو شهادات أدبية على أكثر من قرن، وحفر في ذاكرة المدن، هروب من القيروان الموطن الأول للكاتب ووصولا إلى عواصم العالم حيث الفن والموت يتعانقان ويتحاربان.

وداخل هذه النصوص تشابك واضح بين السيرة الذاتية وبين الإخبار والسرد والتوثيق لمراحل مهمة من حياة الإنسان المعاصر. إنه إشراقة الرحلة المعرفية يقودنا فيها المصباحي إلى كنوز وأسرار عظيمة.

14