كتاب الجيب

السبت 2015/09/12

في سنة 1830، اختار بعض الناشرين ببلجيكا إصدار كتب بحجم صغير، وكان هاجسهم في ذلك التهرب من الرقابة السائدة حينها، منطلقين في ذلك مما ورثته أوروبا خصوصا من التراكم الذي حققته كتب الساعات منذ أواخر القرون الوسطى والتي كانت تستخدم في صلوات المسيحيين.

لم يكن أحد يتصور أن هذه الفكرة البسيطة، والتي ربما لم تلق استحسانا حينها، ستكون وراء مشاريع أضخم وستجذب كبار الناشرين. ثماني سنوات بعد ذلك، سيلتقط الفرنسيون الثلاثة، جيرفيشار بونتيي ولويس هاشيت وميشيل ليفي، الفكرة، لتحويلها إلى مشروع يعكس كثيرا من الذكاء المهني المبكر، حيث أطلقوا كتبا ذات حجم صغير، مع الحرص على تحقيق أرقام سحب كبيرة وتخفيض الأثمان بشكل كبير.

في سنة 1941، ورغم ظروف الحرب العالمية الثانية، ستطلق المنشورات الجامعية الفرنسية سلسلتها الشهيرة “ماذا أعرف؟”، والتي ستعرف نجاحا باهرا يستمر إلى حدّ اليوم، حيث تصدر مترجمة إلى 43 لغة، بينما جاوز مجموع سحبها 160 مليون نسخة. أما التجربة التي تعتبر الأهم على مستوى نشر الأدب من خلال كتاب الجيب، على الأقل على مستوى فرنسا، فتعود إلى سنة 1953، حيث أطلقت هاشيت سلسلة “كتاب الجيب”، والتي يبلغ عدد إصداراتها السنوية أربعمئة عنوان، بينما جاوز مجموع سحب منشورات السلسلة المليار نسخة، مما يجعل منها أكبر دار في مستوى نشر كتاب الجيب بفرنسا. هذه التجارب وغيرها تجعل من كتاب الجيب بفرنسا، على الأقل، دينامو صناعة الكتاب، كما يكشف عن ذلك التقرير السنوي للنقابة الوطنية للنشر بفرنسا خلال السنة السابقة، سواء على مستوى السحب والمبيعات أو أرقام المعاملات.

نجاح التجارب الفرنسية وغيرها على مستوى الغرب لا يعود فقط إلى اختيار الحجم الصغير ولكنه يستند إلى مهنية دور النشر، حيث أصبح توفر سلسلة لكتاب جيب ناجحة رهانا إستراتيجيا للدور الكبرى، وحيث اكتشفت من خلاله أجيال عديدة من القراء الأدب والمعرفة.

وفي اللحظة التي يعرف فيها الكتاب الورقي تنافسية كبرى من طرف الوسائط التكنولوجية الجديدة، يبدو كتاب الجيب أشبه بحصان طروادة الذي تراهن عليه دور النشر الكبرى لاقتحام أسواق جديدة. وتلك وصفة لم ينتبه إليها كثير من دور النشر العربية، حيث يندر أن كتب الاستمرار والتألق لعدد من سلاسل كتب الجيب في العالم العربي، كما أن كثيرا منها يفتقد للإبداع، إذ أن كتاب الجيب ليس فقط تجميعا لمقالات. أما توجه عدد من المجلات العربية إلى نشر كتب جيب ضمن أعدادها، فهو يشكل نقطة مضيئة على مستوى تداول الكتاب وتوسيع مجال توزيعه، لكنه لا يصنع بالضرورة كتاب جيب بمفهومه الاحترافي.

كاتب من المغرب

17