"كتاب الخطايا" أو "كشف المحجوب"

السبت 2013/11/02

بين أجواء ضمت لقاءات حميمة مع روائيين من إيران وخارجها وبعد فترة ابتعدت خلالها عن قراءتي المتواصلة للروايات، تصلني الرواية التي تحثني وتشوقني على استئناف القراءة.

رواية "كتاب الخطايا" للكاتب الجزائري سعيد خطيبي والتي صدرت مؤخرا في الجزائر، أجد فيها العنصر الذي كنت أحدث الأصدقاء خلال لقاءاتنا بأنه بالنسبة إلي جوهر الرواية والذي أرى أن كثيرا من الروايات التي تصدر حاليا في إيران أو العالم العربي تكاد تنساه.

عنصر السرد في الرواية، وهو سواء عن البعد التقني الروائي وكونه الخط الذي تسير عليه الرواية باتزان وترتبط عبره الأحداث ببعضها، يعود اهتمامي به إلى الحنين إلى الحكايات والقصص التي قرأتها وسمعتها في الطفولة. ولذلك أعتقد أنه عنصر يبحث عنه القارئ بشكل غريزي في الرواية، لأننا سمعنا القصص منذ البداية مدعومة بل مبنية على عنصر السرد، وليس على البوح المملّ الذي أخذ بعض الروائين يكثرون منه في كتاباتهم.

السلاسة التي تتمتع بها لغة الكاتب في سرد الحكايات والحكي المستطرد والمحبب الذي تجري الرواية في إطاره يجعلانني أنهي قراءتها خلال ليلة واحدة، تماما كما كنا نريد في طفولتنا القصة كاملة منذ بدايتها إلى النهاية وفي ليلة واحدة.

وسواء عن ميزتها السردية، يمكن الحديث عن الرواية من جوانب وأبعاد مختلفة. الراوية هي شابة جزائرية تعيش في برزخ بين الواقع والأحلام، متشعبة ومنقسمة إلى شظايا غير منسجمة وهذا يظهر في ارتباطها بأكثر من شاب، أسئلتها منهم، اهتماماتها ورغباتها التي عليها أن تكتمها أو تكبتها في مجتمع محافظ يفرض عليها قوانينه الخاصة والتي تتنافى وأحلامها البسيطة.

الأبواب التي تفتحها الرواية نحو خبايا المجتمع الجزائري بل العربي، قابلة للانتباه بشكل كبير. أمور وقضايا اجتماعية ونفسية نشهدها في مجتمعاتنا كل يوم ونلمسها في حياتنا اليومية لكننا نتجاهلها في الكتابة.

وأنا أقرأ الرواية شعرت أن سعيد خطيبي يفتح باب إحدى تلك العمارات الجزائرية المظلمة بأدراجها الملولبة وذات النوافذ الطويلة الزرقاء والتي طالما اعتقدت وأنا أمر من أمامها أنها تخبئ بين جدرانها الكثير من الأسرار، وها هي الآن "كهينة"، بطلة الرواية التي نلتقي عشرات من الفتيات اللاتي يشبهنها في الجزائر وفي كل مجتمعاتنا، تفتح صندوق أسرارها الصغيرة والكثيرة وتبعثر تلك الأسرار في الهواء.

وأتساءل هل هذه أسرار فعلا؟ وما هو سبب إخفائها كل هذا الوقت؟ وبالجرأة التي عهدتها في كتابات سعيد خطيبي سواء البحثية أو الصحفية، في روايته أيضا يرفع الشباك الأزرق شيئا فشيئا كما يفعلون في الجزائر ويجعلنا نرى العائلة والفتاة والشباب والمجتمع والشارع الجزائري كما لم نره من قبل. وهذا هو السبب الثاني لإعجابي بالرواية، كشف المستور والمحجوب الذي طالما سعت أيادٍ لبقائه مستورا إلى أن تظهر يد أخرى لتظهره أو تفضحه.

"كتاب الخطايا" رواية شباب مرّ بالزمن الصعب في مجتمعه، يحلم ويتوق إلى حياة مستقرة لكن الطرق التي تؤدي إلى ذلك الاستقرار ضائعة، فيتوه ويقوده هذا التيه إلى دوامة من العبثية والشعور بالتفاهة والضيق. إنها الواقع الذي نعيشه من منظار كاتب عاش في صميمه ولم يصمت كما فعل الآخرون.

أخيرا أشير إلى أن "كشف المحجوب" من الكتب الفارسية الأولى في التصوف لعلي بن عثمان الهجويري ويعود إلى القرن الخامس للهجرة.


شاعرة ومترجمة من إيران

16