كتاب "الشعرية العرفانية" رصد لنظرية الأدب والجمال

ما الذي يجعل من رسالة كلامية عملا أدبيا، وما الذي يجعل من نصّ ما نصّا شعريا دون سواه؟ وهل تتحقّق “الشعرية” في النّص عبر الإيقاع أم عبر الانزياحات الدلالية في الألفاظ والتراكيب؟ في هذا السياق يتنزل كتاب الباحث التونسي توفيق قريرة الموسوم بـ”الشعرية العرفانية”، الذي حاول من خلاله إيجاد رابط بين العادي وغير العادي من الكلام وعن الصلة بين اللسانيات والأدب.
الجمعة 2015/11/13
المسألة تتجاوز السؤال عن شرعية الاستفادة من اللسانيات في نظرية الأدب

تونس - كتاب “الشعرية العرفانية” هو إصدار جديد لأستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية الباحث توفيق قريرة. يمتد الكتاب على 442 صفحة، وفيه يستفيد المؤلّف من نهج في اللسانيات جديد يعرف باسم اللسانيات العرفانية.

وقد ظهر هذا الاتجاه في سبعينات القرن الماضي في الولايات المتحدة الأميركية، وردّا على تهميش المدرسة التوليدية للدلالة جعل هذا الاتجاه للدلالة مكانة أساسية، غير أنّه ربطها بما يسمّى بالتمثيلات الذهنية، وهي رموز باطنية افتراضية تمثل الواقع الخارجي، واعتبرها نشاطا يعالجه الذهن، كما يعالج أيّ نشاط بشري عادي كالإبصار والأكل والمشي وغيره. ففي هذا الاتجاه تفاعل بين المعنى والمعالجات الإدراكية وبين تجربتنا مع أجسادنا والمحيط الثقافي الذي نعيش فيه. من أبرز اللسانيين الذين أثروا هذا الاتجاه نذكر شارل فيلمور وجورج لايكوف ورونالد لنغاكر وليونار تالمي وغيرهم.

العادي وغير العادي

ما يميّز دراسة قريرة الأخيرة في الشعرية العرفانية أنّها حذت حذو دراسات قليلة في هذا المجال بأن أخرجت مفاهيم اللسانيات العرفانية من محيطها اللغوي المحض ورحلت بها إلى ميدان الدراسات الأدبية والشعرية أساسا وكان ذلك ضمن ما عرف في الدراسات الأجنبية بالأسلوبية العرفانية أو الشعرية العرفانية. ينقسم كتاب “الشعرية العرفانية” إلى قمسين كبيرين: القسم الأوّل كان تحت عنوان “ممهّدات” فيه ميّز المؤلف بين العادي من الكلام واستعمال الكلام وربط الشعر بالإدراك وتحدث عن الأيقوني والطّرازي في الكلام العادي والكلام اليومي، كما تطرق إلى فكرة المسترسل بين الكلام العادي وغير العادي ليبيّن أنّ الكلام لا ينقسم إلى قسمين شعري وغير شعري، أو كلام عامة وكلام خاصة، مثلما هو سائد في التقسيم الكلاسيكي، بل يرى أنّ الكلام استرسال يشبه طيف الألوان، ينتقل فيه المتكلم ممّا يمكن عدّه عاديّا أو غير شعريّ إلى الشعري ثمّ يرجع الكلام إلى العادي، وأنّ العادي من الكلام في درجات كما أنّ الشعري منه في درجات، ومثلما يصعب على الناس تحديد نقطة يمكن أن يقال عنها إنّها الفاصلة بين اللون الأخضر واللون الأزرق في طيف الألوان، كذلك يصعب أن يقال إنّ هناك نقطة واضحة يمكن بها أن نضبط الحدّ الذي يتوقّف عنده العادي ويبدأ الشعري.

الشعرية يمكن أن توجد حتى في الكلام اليومي، وأي نص شعري قديم أو حديث ليس مفعما كله بعبق الشعرية

كلام كهذا يضمر أنّ الأدبية عموما والشعرية خصوصا يمكن أن توجد حتّى في الكلام اليومي، وأنّ أيّ نصّ شعري قديم أو حديث ليس مفعما كله بعبق الشعرية بل فيه أمواج من العادي واليومي من ناحية وأخرى ممّا يكسر المألوف.

إنّ في النص الشعري لحظات شعرية يمكن للمرء العادي إدراكها بيسر من غير إعانة بالناقد، ذلك أنّ ما تؤسّس له هذه الدراسة هو أنّ إدراك الشعريّ ليس اختصاصا مرتبطا بالنقد مثلما روّج له النقد القديم، بل لنا جميعا قدرة فطرية على أن نلتقط الشعري ونميّزه عن غيره، وهذه الملكة تظهر في تفاعل الناس مع المغنّى من الكلام لا لحنا فقط بل وكلمة، ويلحظ أيضا في الشعر العامي الذي لا يكون الشاعر فيه عارفا لا بالاستعارات ولا بالتشابيه معرفة نظرية، وما الشعر في أغلبه إلا هذا الضرب من الشعر وخير مثال عليه الشعر الجاهليّ.

الميدان والفضاء الذهني

في القسم الثاني من الكتاب وبعد أن بحث المؤلف عن الرابط بين العادي وغير العادي من الكلام، وعن الصلة بين اللسانيات والأدب، انتقل إلى عرض المفاهيم الإجرائية وتطبيقاتها على النصوص الشعرية القديمة والحديثة، ومن هذه المفاهيم العرفانية مفهوم الميدان والفضاء الذهني اللذيْن تدور حولهما نظرية جديدة في الاستعارة، تسمى عند جماعة بنظرية الاستعارة العرفانية أو التصوّريّة، وتسمّى عند جماعة أخرى بنظرية المزيج.

وترى الجماعتان أنّ الاستعارة ليست محسنا من محسنات الكلام بل تتعدّى ذلك إلى أن ترتبط بنظامنا الذهني والإدراكي، فأذهاننا تعمل بطريقة استعارية ويبرز ذلك حين نستعير تجاربنا المادية لنفهم بها تجاربنا الشعورية أو التجريدية، وما ظهور الاستعارة في الكلام (اليومي قبل الأدبي) إلاّ لأنّ أذهاننا استعارية.

الشعرية يمكن أن توجد حتى في الكلام اليومي
حين نقول في الكلام العادي “غلت الأسعار” أو “اشتعلت فيها النيران” فنحن نكون قد استعرنا تجربتنا مع النار، لنفهم تجربتنا مع العملة وقيمتها والطاقة الشرائية وغير ذلك من المعاني المجردة المتعلقة بالقدرة على توفير تكاليف الحياة اليومية من معاش ولباس وغيره.

ويبرز ذلك في الشعر مثلا حين نرى ونحن نتغزل بالحبيب قاتلا في قول عنترة مثلا “رمت الفؤاد مليحة عذراء/ بسهام لحْظ ما لهنّ دواءُ”، فهو قبل أن يكون شاعرا إنّما هو إنسان يدرك كأيّ إنسان آخر يشاركه الانتماء إلى المجموعة الثقافية نفسها تجربته مع العشق باستعارة وسائل من تجربة القتل أو الصيد، وهي تجربة محسوسة وقريبة من الإنسان ليبني بها تجربته الوجدانية مع المرأة.

وهكذا فإنّ الشعر في هذه الرؤية العرفانية ليس إلاّ شكلا من أشكال بناء الكون. صحيح أنّه قد يختلف عن طرق بنائنا اليومي للأكوان، لكنّه يظل طريقة من ذلك البناء الذي نتقاسمه كلنا، ولكن لكلّ منّا وجهة نظر وكوّة يطلّ منها على الكون المشترك هذا الاختلاف الإدراكي هو صلب العملية الإبداعية عموما والشعرية خصوصا.

إنّ كتاب الشعرية العرفانية لتوفيق قريرة بما حواه من مفاهيم لسانية عرفانية وبما بذل فيه من جهد من أجل تطبيقها على النص الشعري يبرز في النهاية أنّ الشعرية تريد أن تعود من جديد إلى اللسانيات التي تفيّأت ظلّها في عشريات القرن الماضي (1916) مع جمعية أوبايز الشعرية اللسانية في سان بطرسبرغ بروسيا، والتي أنجبت الشكلانيين الروس، أو مع حلقة براغ التي منها انبثقت في العشرينات والثلاثينات الدراسات السيميائية مع العلامة رومان جاكبسون، أو مع تيار البنيوية الذي أثمر ما يعرف بالاتجاه الإنشائي في دراسة الأدب. إنّ المسألة ليست في السؤال عن شرعية الاستفادة من اللسانيات في نظرية الأدب، بل في كيفية الاستفادة.

14