كتاب المرزوقي الأسود بين الأرشفة والمنطق الحزبي

الثلاثاء 2013/12/10
إصدار الكتاب محاولة من الرئاسة للتغطية على إفلاسها السياسي

تونس ـ في أزمة سياسية جد متوترة وفي وضع اقتصادي على مشارف الهاوية يجيء الكتاب الأسود الذي صدر عن إدارة الإعلام برئاسة الجمهورية التونسية ليزيد من حدة التجاذبات ويعمق حالة الخلاف التي وصلتها البلاد في ظل حكومة الترويكا.

الكتاب الذي حمل عنوان "منظومة الدعاية لحكم بن علي" الذي كشف عن قوائم أسماء صحفيين ومثقفين وحتى رياضيين، وجهت إليهم اتهامات بالتورط مع نظام الاستبداد، إما بالتخابر أو بتبييض صورة النظام أو بمهاجمة المعارضين مقابل عطايا مالية، أثار الكثير من الجدل في المشهد السياسي ليس فقط بشأن مدى اتفاقه مع السياق العام الذي تمر به البلاد من أزمة سياسية خانقة وتدهور اقتصادي خطير، بل أيضا بشأن مدى احترامه للآليات القانونية السليمة قبل إصداره، وتعددت المواقف والآراء منه، فقد عبرت النقابة الوطنية للصحفيين عن خوفها من إمكانية استعمال المعطيات الواردة في الكتاب لتصفية الحسابات.

كما ذهب البعض الآخر إلى القول إن إصداره في هذا الظرف محاولة من رئاسة الجمهورية للتغطية على إفلاسها السياسي وخطوة لمحاولة للرجوع إلى الواجهة في إطار حملة انتخابية سابقة لأوانها. فيما اعتبره آخرون خطوة مهمة لتصحيح مسار الثورة وطالبوا رئاسة الجمهورية بمواصلة محاربة الفساد في المجالات الأخرى.

ونعرض هنا لقرائنا الكرام موقفين متباينين من المسألة الأول لسمير بالطيب النائب في المجلس التأسيسي والناطق الرسمي لحزب المسار الذي يرى أن المنصف المرزوقي لا يحق له التصرف في الأرشيف، والثاني لعدنان منصر الناطق الرسمي باسم رئاسة الجمهورية الذي يذهب إلى أن الكتاب هو تقرير وصفي لمخزون أرشيفي وأنه لم ينشر وثائق.


تصرف من منطلق حزبي

يرى سمير بالطيب النائب في المجلس التأسيسي والناطق الرسمي لحزب المسار أن المنصف المرزوقي لا يحق له التصرف في الأرشيف بهذه الطريقة وأنه تصرف كطرف سياسي ومن منطلق حزبي.
بالطيب: المرزوقي لا يحق له التصرف في الأرشيف

وينتقد بالطيب بشدة رئيس الجمهورية المنصف المرزوقي، قائلا إنه يذكره بالطفل الصغير الذي يريد جلب الاهتمام له في الوقت الذي تنكب فيه جميع الأطراف على الحوار الوطني والمشاورات في خصوص المرشح لرئاسة الحكومة. ويذهب بالطيب أن تعامل المرزوقي مع الأرشيف قسّم التونسيين وأنه كان انتقائيا، موضحا في هذا السياق أن هناك أسماء عملت مع نظام بن علي ولم يتم ذكرها في الكتاب الأسود لأنها واصلت عملها بنفس الأسلوب مع النظام الحالي.

ويؤكد الناطق الرسمي لحزب المسار أن الرباعي الراعي للحوار الوطني مطالب بالحسم في مسألة منصب رئيس الحكومة المقبلة مبينا أنه على الرباعي فرض الاسم الذي سيشغل هذا المنصب بعد أن فشلت الأحزاب السياسية في إيجاد توافقات تنهي الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد. مضيفا أن المصلحة الوطنية تقتضي الحسم خصوصا أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية تشهد تدهورا يعرفه القاصي والداني ولا يخفى على أحد حسب كلامه.

ويعتقد الطيب خلال ندوة صحفية عقدها حزبه على هامش إمهال حسين العباسي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل والناطق الرسمي باسم الرباعي الراعي للحوار الأحزاب السياسية 10 أيام إضافية وأخيرة لإيجاد توافقات أو إعلان فشل الحوار الوطني نهائيا، أن الرباعي يتحمل مسؤولية كبيرة في إيجاد مخرج من الأزمة وفرض التوافق حول منصب رئاسة الحكومة القادمة.

ويجزم بالطيب أن جميع الأحزاب فشلت في هذا الأمر مبينا في ذات الصدد أنه لا خيار إلا الحوار والتوافق من أجل مصلحة البلاد ملاحظا أن الشعب التونسي حكم على جميع الأحزاب بالفشل والتكالب على الكراسي وأنه لذلك بات ضروريا إنجاح الحوار الوطني بغض النظر عمن حاول إفشاله أو إنجاحه وحتى لا تتحول المعركة إلى معركة حول المناصب. ويتساءل بالطيب: هل أن التمديد بـ 10 أيام بنفس العقلية ونفس المنهج والآليات سيكون كافيا لتجسيد توافق وطني ينهي الأزمة الراهنة؟

وشدد على أن الرباعي الذي فوضته الأحزاب للحسم في إيجاد هذا التوافق مطالب بهذا الحسم وبالتخلي عن سياسة التساهل مع بعض الأحزاب مبينا أن بعض الأطراف السياسية لم تتنازل قيد أنملة من أجل إيجاد توافقات.

ويلحظ بالطيب أنه لا بد من تغيير منهجية عمل الرباعي لأن المهلة التي حددها الرباعي ستبقى بدورها غير كافية وغير ناجعة إذا لم تتغير الآليات مشددا على ضرورة إنهاء المرحلة الحالية وإنقاذ البلاد وبعد ذلك فليتنافس المتنافسون وفق تعبيره.

ويؤكد الناطق الرسمي لحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي أن الحكومة الحالية الفاشلة ستستقيل لا محالة قبل 31 كانون الأول الجاري مضيفا أن هذه الأخيرة سترحل وأنها معطلة ولا تشتغل حاليا.

ويرى أن وزراء الترويكا يتحدثون عن السياسة ولا يتحدثون عن وزاراتهم محملا حركة النهضة المسؤولية الكاملة في فشل التوصل إلى توافقات بسبب سعيها إلى ربح الوقت مستدركا في ذات الإطار أن الإشكال لا يكمن في تغيير الأشخاص عند تشكيل الحكومة المقبلة بل الأهم من كل ذلك هو برامج وآليات عمل هذه الحكومة ومدى احترامها لبنود خارطة الطريق مثل مراجعة التعيينات الموالية وإعادة الأمن العام وغيرها حسب قوله.


وصف لمخزون أرشيفي لا غير


هي منظومة العدالة الانتقالية؟ مجرد قوانين ملقاة على الرفوف لم يشرع في مناقشتها بل نوقشت مشاريع أقل منها أهمية وبذلك فهو يخشى ألا يرى عدالة انتقالية.

منصر: وكالة الاتصال الخارجي منظومة دعاية لبن علي

وأشار منصر إلى أن الذين لم يرق لهم الكتاب وذكرت أسماؤهم ظلما ما عليهم إلا أن يتوجهوا للقضاء، متحديا الجميع في أن يفعلوا ذلك وحتى من قالوا أنهم رفعوا قضايا فإن منصر يشك في ذلك وفي مصداقيته لأن مؤسسة الرئاسة وقتها مضطرة لإخراج الوثائق الأصلية.

كما قال أن وكالة الاتصال الخارجي قد تحولت إلى منظومة دعاية اشتغل فيها الكثيرون عن اختيار ووعي بكتابة التقارير في زملائهم وكانت الوكالة مجرد غطاء لممارساتهم وقاموا بأدوار أكثر من الإعلام وليس للإعلام علاقة بها.

وأكد الناطق باسم رئاسة الجمهورية أن الرئاسة قدمت الأرشيف الخاص بالإعلاميين الفاسدين للتأسيسي واتصلنا بهيئة مكافحة الفساد لكنها لم تحرك ساكنا.

ووجه منصر انتقاده لوزير حقوق الإنسان سمير ديلو قائلا من يتكلم عن العدالة الانتقالية نقول له أين هي مضيفا أن رئاسة الجمهوريـة لا تشتغل عند سمير ديلو. قائلا: "رئاسة الجمهورية لا تشتغل عند سمير ديلو ولا تأخذ التعليمات من عنده وهي ليست مطالبة بالرد عليه والعدالة الانتقالية أهم من سمير ديلو ومن المنصف المرزوقي نفسه" والرئاسة لا تطلب الإذن من وزارة، بل لديها نظرتها للعدالة الانتقالية وهي تمهد الطريق لها.

واعتبر منصر أن لا فرق بين الأشخاص الذين كانوا يجملون نظام بن علي بقلب الحقائق والذين غطوا على سياسة اجتماعية بائسة طيلة 23 سنة وبين من أطلق الرصاص إبان الثورة على الناس.

وشدد على ضرورة أن يعرف الناس من امتص مقدرات الناس ومن تصرف في المال العام بغير وجه حق ومن سرقهم أومن قتل أولادهم ومن حرمهم من ثمار التنمية، وذهب إلى أن الرئاسة مدركة أن الأرشيف لديه قوانينه وليس لديها معارضة عن ذلك ولكن لا يجب أن تستغل تلك النقطة لتمييع المسألة ولكي يقع وأد الحقيقة بداعي اللجان الوطنية.

وأكد عدنان منصر أن الإعلاميين الفاسدين سرقوا أموال الشعب وحاولوا ضرب ثورة 14 يناير مشيرا إلى أن الرئاسة تملك المزيد من الوثائق التي تدينهم.


لماذا صدر الكتاب الآن


الكثير من المبررات التي تبناها أنصار صدور الكتاب الأسود والتي تؤكد جلها على ضرورة أن يعرف التونسيون كل الذين وقفوا مع الاستبداد وأعانوه على الاستمرار وشرعوا ممارساته وجملوها، لكن العديد من الذين يقفون في الجانب الآخر يرون العكس ويصرون على أن توقيت الكتاب ليس بريئا وإنما لديه عدة غايات وأجنداته سياسية بحتة.

وإن تعلل الناطق الرسمي باسم الجمهورية بعمل المحررين والمطبعة والمسارات الروتينية لأي إصدار فإن البعض طرح جملة من التساؤلا ت التي لها وجاهتها ومشروعيتها.

ومن بين تلك التساؤلات التي طرحت، هل أن الرئيس محمد المنصف المرزوقي بحكم أنه رئيس الجمهورية مخول له مثل هذا العمل ومسوح له بإصدار مثل هذا الكتاب ويقوم بفضح أشخاص محددين؟

ثم ماهذه الانتقائية التي اعتمدت؟ فيه فبالاضافة إلى الأشخاص الذين تم ذكرهم هناك أشخاص آخرون جملوا نظام بن علي وسوقوا لسياسته لم يقع ذكر أسمائهم ويعرفهم جل التونسيين بل انتصبوا الآن مدافعين عن العدالة الانتقالية والمسار الثوري.أم أن هناك حسابات أخرى اعتمدت في التصنيف تدخلت فيها مسائل شخصية وولاءات حزبية؟

كذلك من الأسئلة التي تطرح الآن، لماذا صدر الكتاب في هذا الوقت؟ ولماذا لم يكن بعد الثورة بأشهر أو بسنة؟ لماذا بعد ثلاث سنوات منها؟ وذلك ما جعل البعض يذهب إلى أن العمل مقصود به غايات انتخابية وتحويل وجهة أنظار الشعب عن قضاياه الحقيقية والمصيرية، والتي من بينها إتمام الدستور وإنجاح الحوار الوطني وتعيين رئيس حكومة جديدة يتولى إكمال ما تبقى من الفترة الانتقالية قبل تحديد موعد الانتخابات. وكذلك إيجاد حلول للعديد من الملفات العاجلة مثل ملف الأمن والإرهاب الذي بات يتهدد البلاد.

المرزوقي تعامل بانتقائية مع ارشيف الدولة..

إن الظرف الذي تمر به البلاد التونسية من تجاذبات سياسية عطلت العديد من المسائل التنموية، إلى وضع اقتصادي خطير تسبب في غلاء الأسعار وفي تدهور المقدرة الشرائية للتونسي، إلى تدني قيمة الدينار، إلى العديد من الاضطرابات الاجتماعية الأخرى التي تهدد الأمن والتعايش السلمي للمجتمع، يستدعي مجهودات واهتمامات أخرى، وهو ظرف يستدعي الكثير من المجهودات لتجاوزه ويتطلب توحيد جميع الطاقات القادرة على إخراج البلاد من المجهول ووضع قطارها على سكته الصحيحة.

لذلك فإن العديد من المتابعين للمشهد التونسي يرون أن التوقيت غير ملائم لإصدار مثل هذا الكتاب الذي من شأنه أن يزيد من الاحتقان وتوتير الأجواء السياسية المتوترة أصلا. وأن زمن المحاسبة ربما يؤجل إلى خروج البلاد من أزمتها لا بفتح جراح أخرى تضاف إلى جراحها المتعددة.

ويدرك المرزوقي الحقوقي ذلك طبعا ويدرك دقة المرحلة، لكنه برر ذلك على لسان الناطق الرسمي بضرورة أن تتحقق العدالة الانتقالية ويعرف الناس المسؤولين عن معاناتهم وعن الأموال التي وظفت في غير مكانها لكي يمكن التأسيس على تلك المحاسبة ولكي لا يعاد إنتاج نفس المنظومة الدعائية التي تجمل الباطل وتشرع لاستنزاف المال العام بغير حق.

ويذهب مراقبون أن الكتاب الأسود وإن فتح ملفا مهما يتعلّق بوكالة الاتصال الخارجي فإن الجهد الذي بذل والوقت المخصص له كان يفترض أن يخصص للعمل على حل الأزمة السياسية التي إن تواصلت ستجر البلاد إلى كوارث ليست في الحسبان ولن تقدر الكتب بعدها على توصيفها.

12