"كتاب النحات" رواية عن الإنسان الذي يريد خلق عالم بديل

فازت رواية “كتاب النحّات” للكاتب المصري أحمد عبداللطيف، الصادرة عن دار آفاق، بجائزة مؤسسة ساويرس الخيرية، خلال الدورة الحادية عشرة في فرع شباب الكتّاب بالمركز الأوّل مناصفة مع رواية “شرق الدائري” لخالد أحمد. من خلال الرواية الفائزة يطرح الكاتب أحمد عبداللطيف التساؤلات الأوليّة عن فكرة الخلق دون أن ينزلق في متاهة اختراق التابوهات أو حتى تبني أيديولوجيا دينية وغيرها، فهو منذ البداية ينتصر لفكرة الكتابة التي هي بديل للذاكرة، حيث يوازي كنهها هنا مع الفن، فيصير الاثنان، الكتابة والنحت، بمثابة الروح والجسد، وكأنّه لا انفصال بينهما.
الجمعة 2016/01/15
النحت بحث عن الحياة

يقدم الكاتب أحمد عبداللطيف في روايته “كتاب النحات” قصته عن الخلق من منظور بشري، حيث يؤكّد عبر راويه المحايد “أنّه لا يحمل صفات إلهيّة”. الكاتب ومع أنّه يعيد قصّة بيجماليون لأوديب عن التمثال الذي أبدعه ثم اشتهاه، كما هي حاضرة في منحوتة عروسة النهر التي صاغها كما يريد، ثمّ اكتشف أنّه لا يستطيع التحكّم فيها، فهو ممنوع من الظهور لأسباب لا يعلمها، وإن كان الكاتب هنا يذهب إلى معنى فلسفي أكثر عمقا، يرتبط بقصّة الخلق الكبرى، وأن لا حاجة لحيرة الإنسان في أن يتعرّف على الخالق الذي أبدعه، فيكفي أن قدرته تجلّت في المخلوقات التي أبدعها.

تساؤلات الخلق

ثمّة حكاية يمرّرهـا الكاتب يبنـي عليهـا تصوراته وأيضا يمرّر من خلالها تساؤلاتـه عن الخلق، وعلاقة المخلوق بخالقـه، وتمـرّد المخلوق على خالقه، وعن حيـرة المخلـوق الذي لا يرى صانعه، وهل ثمّة بديل يكـون بمثابة ذاكرة جديدة تعوّض الفقد، وهـل يستطيع الإنسان من خلال تصوراته أن يخلـق العالم البديل الذي يفتقده، وهل يختار كـل منّا حياته بنفس الاختيارات والأخطـاء؟ أيعنـي أن اختياراتنا الأولى هي الأفضل ولا داعـي للندم؟ ومن جملة هذه التسـاؤلات يبني الكاتب حكايته حول هـذا النحّات الـذي يـرحـل بملء إرادته إلى هـذه الجـزيـرة النائيّة الخالية من البشر والحيوانـات، في استعـادة لفكـرة اليوتوبيا والمدينة الفاضلة، التي يختار فيها من يراهم أحقّ بمعايشته.

الفن الذاكرة البديلة

الرّحلة كان غرض النحات الأوّل منها هو البحث عن حياة جديدة يريدها، غير أن هدفا آخر ينكشف من وراء هذه الرّحلة، ويتمثّل في استعادة حياة من افتقدهم، وأيضا التعويض لهم لأنّهم كانوا تعساء في حياتهم السّابقة، ولكن بصورة مغايرة عمّا كانوا عليها في الواقع، فيستدعي شخصيات ارتبط بها؛ كالأب والأم وزوج الأم (المخرج المسرحي) ثمّ بائعة بطاقات اليانصيب، والرجل ذي القضيب المنتصب ورجل البرميل. هذه التمثيلات بما تحمله من دلالات خاصّة في الاختيار (عالم مهمّش) تتوسّع في نهاية الرواية لتشمل رجالا ونساء متعددين في تصوّر كامل للحياة، ويبدأ عملية إعادة الخلق وفق ما تركوه من أثر عليه.

رواية تطرح تساؤلات أوليّة عن فكرة الخلق دون أن تنزلق في متاهة اختراق التابوهات أو حتى تبني أيديولوجيا دينية وغيرها

فكرة الفن التي يستعيض بها الكاتب عن الذاكرة لن تكون فقط في عملية إبداع التماثيل التي يصنعها من الطين الممزوج بماء النهر، ويتركها في الجزيرة تحت أشعة الشمس حتى تجفّ وتدبّ فيها الحياة، وإنما يؤكّد الكاتب في أكثر من موضوع داخل روايته على فعل الكتابة أيضا كبديل آخر مقاوم للفقد.

فكرة الكتابة يستثمرها بشكل جيد في الجزء الخاص برجل القضيب والأوراق التي يكتبها عمّا يجري داخل الجزيرة بعدما دبّت الحياة في هذه التماثيل وصارت تعيش حيواتها ولكن مع الأسف جاءت ليس كما يريد النحّات منذ البداية، فالحياة الجديدة لم تختلف عن السّابق حتى أنه يقول في تعجّب “نحن من نخلق التشابه ثم نهرب منه”، ثمّ نعلن أنّ “هذا العالم متشابه إلى حدّ الملل”، فالحياة الجديدة لهؤلاء لا تختلف عن حياة البشر العاديين من حبّ وكراهية، بل يكرّرون ذات الأخطاء التي وقع فيها الجميع من قبل، ليؤطرها صراع ينتهي لصالح الأقوى، في تمثّل لبداية الحياة نفسها وقصّة القتل كما تمثّلها في قتل عروسة النهر، بعدما ظهر عليها الحمل دون معرفة من هو الأب الشّرعي.

وهو ما يستحضر ميراثا طويلا من القهر الذي مورس على المرأة ببطريركيّة الرجل، وإن كانت فكرة غياب الأب لابن عروسة النهر خاصّة في ظلّ شخص يعترف بأنه صاحب الحق، وآخر مجهول غير معلن في حكم العدم، تطرح فكرة الانتماء التي تساءل عنها النحّات “وأنا ابن من في الحقيقة؟” فغياب الأب الحقيقي لابن عروسة النهر إجابة عن السؤال بطريقة غير مباشرة، وذلك بردّ الانتماء إلى الأم. وتتكرّر فكرة الكتابة كبديل في رسائل عروسة النهر التي كانت تصف فيها أحوال الجزيرة في غياب النحّات.
أحمد عبداللطيف يعيد قصّة بيجماليون لأوديب عن التمثال الذي أبدعه ثم اشتهاه، كما هي حاضرة في منحوتة عروسة النهر

المفاجأة الحقيقية للنحّات لا تقتصر على أن منحوتاته تعايشت مع المكان ومارست الحياة الأوليّة ذاتها التي كانت عليها، رغم أنّه أراد أن يخلّصها من عذاباتها القديمة، وإنما في تمرّد منحوتته عروسة النهر الأثيرة التي صنعها وفقا لتخيلاته الخاصّة، وجسّد فيها كلّ الجماليات التي يريدها للأنثى المشتهاة، حين تقدّم له، عبر رسائلها التي استعادت بها دور شهرزاد بجملتها الأثيرة “بلغني أيّها النحّات الطّيب”، الدرس الآخر الذي تعلّمه من هذه المنحوتات على اختلاف تجسيداتها حول علاقة الصّانع بمصنوعه، هنا تتجاوز العلاقة التحكّم والسيطرة إلى الانفلات والتمرد، وهي الفكرة الصّراعيّة الأزليّة التي يعاني منها الجميع على كافة مستويات السّلطة: الخالق/ العبد، السّلطة/ الشّعب، الأب/ الأبناء، إلخ. وهو ما لخصته في هذه العلاقة الجدلية العبارة الواردة على لسان عروسة النهر “أريد أن أفعل ما يخصني، وما ينبع من داخلي وينتمي إليّ، لنتفق على أن لديك ما تفعله كنحات، وأن لديّ ما أحياه في غيابك”، وكأنّ الكاتب لا يستعيد دور شهرزاد في الحكاية فقط، بل يستعيد أيضا دورها في ترويض الذكورية كما فعلت شهرزاد في الحكاية الأصليّة عبر حكاياتها المتعددة.

الرّاوي معني بعملية الكتابة أيضا مثلما كان معنيا بعملية الخلق على مستوى شخصيات الرواية، فالكاتب ينحت شكل مرويته أيضا عبر أربعة أسفار على شكل دائري، حوى كل سفر على يوميات تشير إلى عدد أيام الخلق، يروي فيها تفاصيل ما يحدث معه على هذه الجزيرة، وثمة أوراق أخرى عثر عليها كانت تتضمن تلخيصا لما يدور في الجزيرة لحظة غياب النحّات، إضافة إلى رسائل عروسة النهر التي كتبتها للنحات، كل هذا يأتي في لغة تميل إلى البوح والشعرية في الكثير من مواضعها. كما أنه يحرص على نهاية الرواية بتلك البداية التي بدأ بها ليؤكّد دورة الحياة التي بدأت بالخلق من الطين، حتى الموت والتحلّل إلى طين.

ثمّة شيء لافت في الرواية ويبرز في أنّ فكرة الزمن الروائي والأسماء تكاد تكون ملغاة في النص.

14