كتاب جديد لفوكو في ثلاثينية رحيله

الجمعة 2014/02/14
فوكو: المجتمع الحديث سجون متجاورة يعلوها برج مراقبة

باريس - تحتفل الأوساط الفكرية والجامعية في فرنسا ومحافل عديدة من العالم هذا العام بمرور ثلاثين سنة على رحيل ميشيل فوكو (1926-1984)، أكثر المفكرين الفرنسيين إشعاعا، وأشدّهم إثارة للجدل، فهو لا يزال حاضرا بشكل يفوق حضور لاكان ودريدا ودولوز وبورديو، بفضل إسهاماته في حقول تتعدّى الحقل الفلسفي، ولا تزال المفاهيم التي ابتكرها مثل "البيو سياسي" و"الضبط" و"الجهاز" و"المعايير" و"العناية بالذات" و"الحوكمة" تجري على الألسنة باستمرار في حقول التاريخ والاقتصاد والجغرافيا وعلم الاجتماع.. بهذه المناسبة صدر له منذ أيام كتاب عنوانه "المجتمع التأديبـي" عن داري سوي وغاليمار، ضمن سلسلة "الدراسات العليا".

يضمّ الكتاب ثلاثة عشر درسا حول "المجتمع التأديبـي" كان فوكو قد ألقاها في "الكوليج دو فرانس" على مدى الأشهر الثلاثة الأولى من عام 1973، حلل فيها الكيفية التي مهّدت لإقامة علاقات بين القضاء والحقيقة قام عليها القانون الجزائي المعاصر، وبحث عما يربطهما بظهور نظام تأديبي جديد لا يزال يهيمن على المجتمع الراهن. هذه الدروس التي كان يفترض أن تكون تهيئة لكتاب سوف يظهر لاحقا عام 1975 بعنوان "المراقبة والمعاقبة" تنحو منحى مغايرا، فهي لا تكتفي بالمنظومة السجنية، بل تشمل مجمل المجتمع ذي الاقتصاد الرأسمالي، الذي استجدت في أعطافه إدارة مخصوصة لتعدّد مظاهر الحيف وتشابكها. وفي رأيه أن التحوّل من الملكية الاستبدادية إلى الأنظمة الحديثة لم يغيّر سوى آليات الهيمنة، فبعد أن كانت قائمة على القوة المباشرة، أصبحت قائمة على تنظيم العلاقات، كما أنها لم تعد تقنع بكونها القيّمة على القانون، المدافعة عن مجال ترابي محدّد بوصفها دولة ذات سيادة، بل تعدّته إلى تنظيم حياة السكان وإدارة شؤونهم في شتى مجالات النشاط البشري، كراعٍ يحرس قطيعه آناء الليل وأطراف النهار.

العلوم الإنسانية نابت عن كهنة الكنيسة في خلع الشرعية على السلطة، وهو ما يميز مجتمع الحداثة في رأي فوكو


مراقبة الجسم


يقول فوكو: «لفهم المنظومة الأخلاقية لمجتمع ما، ينبغي طرح السؤال التالي: أين الثروة؟ فتاريخ الأخلاق يجب أن يمتثل كليا لهذا السؤال عن تمركز الثروة وتنقلها». ومن ثَمّ فهو ينطلق من المنظومة التأديبية لاستعراض تاريخ الرأسمالية، ويحلل الكيفية التي تعامل بها المجتمعات الأفراد أو الجماعات الذين تريد التخلص منهم، باستعمال التقنيات التأديبية، والسيطرة على الجسم والزمن، وإقامة ثنائية الجناية والعقوبة، من أجل خلق أعداء داخليين. ففي معرض نقده لهوبز مثلا، يبين فوكو أن الحرب الأهلية ليست حرب الكل ضدّ الكل بقدر ما هي "رحم عامة"، تسمح بفهم اشتغال الاستراتيجيا الجزائية التي تهدف إلى إصابة العدو الداخلي أكثر مما تصيب المجرم.

يستحضر فوكو ما يسميه "خطط العقاب الذكية" عبر التاريخ ويميز منها أربعا هي: النفي، فرض فدية كتعويض عن الذنب المرتكب، وَسْم الجسد كإهانة رمزية وعلامة على أن المذنب ارتكب عملا شائنا، وآخرها الحبس. ويذكّر بأن القرن الثامن عشر شهد ولادة علم جديد هو "علم السجون" لأداء مهمة إصلاحية، مثلما شهد قيام خطاب محدّد حول المجرم وعلاجه الممكن، وبذلك ظهر رسم تخطيطي للمجتمع الذي يسعى إلى مطلقية التحكم والمراقبة. أما المطابقة بين المنظومة القضائية وآلية المراقبة (أي بعث جهاز شرطة)، بين ظهور الثورة وممارسة الحيف، بين قوة العامل الجسدية وآلة الإنتاج، فقد اكتملت في منعطف القرن التاسع عشر. انطلاقا من هذه المعطيات يبيّن فوكو أن هيئات المراقبة شبه الجزائية في القرنين السابع عشر والثامن عشر هي التي قادت إلى سيرورة السجن، بدعوى القضاء على الفوضى، ومراقبة توزع الأفراد في الفضاء وموقعهم من آلة الإنتاج. ويتساءل عن شرعية القانون الجزائي؛ هل هي كونية أم أنها محدودة لا تخرج عن تطبيق جملة من القوانين؟

التحوّل من الملكية الاستبدادية إلى الأنظمة الحديثة لم يغير سوى آليات الهيمنة


مجتمع السجون


يرى هذا الفيلسوف أن المجتمع التأديبي الذي لا نزال نعيش فيه يستند إلى اعتبار المجرم عدوا للمجتمع، لا بدّ من السيطرة عليه ومراقبته. ويبين أن اختزال العقوبات السابقة في شكل وحيد هو السجن يحيل على بروز مخاطر جديدة تهدّد امتلاك السلطة وممارستها، كالثورات والفتن وخصوصا العمال الذين يهدّدون -من الداخل- وسائل الإنتاج الصناعي، ما يجعل التحكم في أجسادهم ومراقبتها ضرورة حتمية. فالسجن في رأيه هو لحظة ترابط تاريخية بين أبعاد ثلاثة: بعد ذو نسابة دينية كمكفّر عن ذنب، وبعد ذو وظيفية سياسية هو حبس الجسد، وبعد ذو ملاءمة اقتصادية هو الجانب التأديبي. يصحّ ذلك على واقع القرن التاسع عشر كما يصحّ على الواقع الراهن، حيث تتبدّى فكرة طغيان جانب الاتّعاظ من خلال إقرار "عقوبات مضمونة" (وهي المدّة التي يقضيها السجين وجوبا خلف القضبان ولا يمكن أن يسرّح قبل انقضائها)، ما يجعل السجن في هذه الحالة أبعد ما يكون عن الاعتقال المشروع، فيصبح التعامل مع الفرد حسب أفعاله لتبرير اعتقاله بدل النظر إليه كإنسان.

ويورد فوكو أيضا علم الإجرام كأداة ترميز متبادلة بين المجال القضائي وبين المجالين الطبي والاجتماعي، ما يفسّر رواج مفهوم "الخطورة" في السياسات الجزائية الحديثة. كما أن تطوّر "ضرورات العلاج" و"فروض علاجية" أخرى حتى داخل السجن نفسه أوجدت حالة من الفوضى لا تني، تتزايد بين العقاب والعلاج، وهي في رأيه سمة خاصة بمجتمعات الانضباط التأديبية.

الفكرة الأساس التي تحوم حولها هذه الدروس هي التفكير في نموذج جزائي جديد عن الاعتقال كـ"فصل من تاريخ الجسد"، هذا الجسد الذي لا ينبغي في رأيه تعذيبه أو وسمه، وإنما ترويضه وتقويمه. وهي الثيمات التي كان فوكو قد تناولها في درسه السابق حول "نظريات ومؤسسات جزائية" (1971-1972) ثم طوّرها في "المراقبة والمعاقبة" ليبيّن كيف أن اختيار السجن كأداة قصوى للجزاء متصل اتصالا وثيقا بتاريخ العلاقات بين السلطة السياسية والتحكم في الأجساد ومراقبتها. «ما الذي يدخل إلى السجن؟ يتساءل الفيلسوف. قطعا ليس القانون. وما الذي يصنعه؟ طائفة من أعداء الداخل». أي أن السجن في نظره لا يمكن أن يقطع دابر الجريمة، ولا أن يكون الحل الأمثل. «لماذا يظل السجن هو النموذج؟ هل أن ذلك ناجم عن فقر في الخيال التأديبي أم أن الأهم اليوم هو أن نترك آثارا وملفات معلوماتية ينبغي إتمامها في وقت لاحق ونحن نتنقل من مركز إصلاحي إلى مركز آخر؟» وهو ما سبق أن عبّر عنه في "المراقبة والمعاقبة" حين شبّه المجتمع الحديث بسجون متجاورة، يعلوها برج مراقبة يرصد حركات السجناء وسكناتهم، فينضبطون بما يؤمرون، حتى في حال خلوّ البرج من رقيب، لأنهم لا يرون متى يحضر ومتى يغيب.

والحقيقة أن فوكو عرف عنه نقده للمؤسسات الاجتماعية، خصوصا التحليل النفسي والطب والمنظومة السجنية، مثلما عرف عنه تحيزه للمهمشين، فقد كان هو نفسه في عداد الفئات المنبوذة نظرا لشذوذه الجنسي، في وقت لم يكن المجتمع مهيّأ فيه لقبول الاختلاف. وبسبب من ذلك كانت فلسفته، في جانب منها، دفاعا عن المنبوذين في المجتمع، من مجانين ومساجين ومهاجرين أجانب ومهمشين ومثليين. مما جعله، خلافا للنزعة الفلسفية السائدة التي كان الفكر فيها مسلطا على العقل والمركز، يؤثر الاهتمام بالهامش، لأنه عانى منذ صغره معاناتهم، حيث خضع للعلاج النفسي وشارف على الجنون، وهي تجربة عالجها في كتابه "تاريخ الجنون" معالجة حلل فيها الحدود الفاصلة بين الجنون والعقل. وفي رأيه أن المنحرفين والمهمشين والمجرمين والداعين إلى العنف هم صورة باطنية للمجتمع، تعكس لاوعيه وأعراضه الكامنة. وأن ذلك اللاوعي إذا ما تمّ كبته، انفجر في وجه من اضطهدوه وقمعوه وقيّدوا حريته، فأرهبهم كما أرهبوه.

15