كتاب سوريون يرددون: "سأخون وطني"

الخميس 2013/09/26
سلوى النعيمي تداوي بشعرها آلام الغياب

تكتب الشاعرة السورية رشا عمران، على صفحتها في الفيسبوك :"كنا مستأجرين بيت بالشام ورح يتسلم لأصحابه بها اليومين، أغراضنا وكتبنا وتيابنا وأوراقنا شي تضبضب وشي توزع وشي انكب، ذاكرتنا بالبيت صارت غبرا، ما عاد في محل لنرجعلوا، أمي بطرطوس ومافيني شوفها، كانت ناوية تزورني بمصر وتجي أختي وبنتي كم يوم ويوشوفوها هون.

هلق صار هاد مستحيل، أصلا وجودي أنا بمصر صار مؤقت، بدي دور على بلد بيحترمني لأني إنسانة وبيحترم حقي بالعيش على كوكب الأرض بأي مكان لمجرد إني إنسانة، هاد للأسف مو موجود بهي البلاد يلي بتتسمى بلاد العرب أوطاني، يمكن أنا كشخص لحالو سهل علي لاقي مكان هيك، قلبي محروق على كتار ما عندهن أمكنة ولا عندهن فرص، مين هاد يلي قال بلاد العرب أوطاني؟"، فتكّثف رشا بسطورها القليلة معاناة شريحة كبيرة من السوريين، الذين نزحوا من بلادهم، وتركوا بيوتهم خلفهم، وبنفس الوقت، تلامس مفهوم الاغتراب والتشرد بمعناهما النفسي والمادي.

الوطن الذاكرة

هذه الكتابات السريعة لرشا، والحديث عن البيوت، تلك التي تركناها، وتلك التي نعيش فيها، وتلك التي نحلم بها، تحيلنا إلى النص المتميز لإيمان مرسال، الذي يمكننا اعتباره، أي الكتاب بمجمله، نصاً واحداً، يهجس بالبيوت، ولكن من وجهة نظر مختلفة، إذ أن صاحبة "حتى أتخلّى عن فكرة البيوت"، تحاول التحرر من فكرة البيت. خاصة وأن إيمان لا تؤمن بفكرة المهجر، وهي المتنقّلة بين الولايات المتحدة وكندا ومصر وألمانيا حالياً، لتتحدث عن صعوبة تجربة المكان الجديد، وذلك في أحد الحوارات التي أُجريت معها، حيث تقول: "لكن أن تبني بيتك الخاص، وتصبح لك صداقات وحياة روتينية، تفاجأ بأن هذا المكان الغريب، قد أصبح جزءاً منك". وفي الحوار ذاته، تقول مرسال : "الوطن الأم، لم يعد شيئاً واحداً كاملاً، أي جنة أو جحيماً، ذلك لأنه هو الذاكرة". ورغم أن إيمان لا تشعر بالغربة في البلاد التي ذهبت إليها، غير مصر، إلا أن عنوان مجموعتها وحدها، تشي بالكثير.

ولأن مجموعة مرسال الشعرية، تتطلب وقفة، تليق بكتابها صغير الحجم، الذي يتجاوز حجم كفّ اليد بقليل، والصادر عن داري شرقيات والتنوير معاً في هذا العام، وشديد الثراء، فإننا لن نتوقف عند هذا الديوان، الذي نقتطع منه فقط العلاقة المتمردة بالبيت، والرغبة في الانفلات، تلك التي يشي بها العنوان، مدى نجاح الشاعرة، في تحقيق حريتها عبر التخلي عن فكرة البيوت.

حق اللاعودة

من عنوان إيمان، عبر حرية التخلي عن البيت، يمكننا اقتناص فكرة الحرية المماثلة، عبر التخلي عن هاجس الوطن، فيأتي كتاب سلوى النعيمي "شبه الجزيرة العربية" والصادر عن دار الريس في العام المنصرم، حاملاً هاجساً مماثلاً لإيمان، أي التخلي. وكأن كلا من الشاعرتين، أو الشاعرة والروائية، المقيمتين في المهجر، نجحتا في تطبيب "آلام" الغياب، عبر الانتماء إلى مكان موازٍ، صنعته كل منهما بأدواتها الفردية، الإبداعية والشخصية معاً.

'الأوطان رقع لم يدرك سخافتها سوى الغجر'

ففي الوقت الذي لا تؤمن فيه مرسال بفكرة المنفى، حيث العالم مفتوح على بعضه، وحيث في أي وقت، تستطيع ترك بيتها في كندا، والذهاب إلى مصر، تشعر النعيمي أيضاً بحقها المختلف عن ذلك الحق "السياسي" الطويل، والمشروع دون شك، بالعودة، لتتحدث سلوى، الشاعرة والروائية الحرّة والمتحررة بفردانيتها وحساسيتها الشعرية، المتمردة، اللامنتمية بالمعنى الجماعي، إلا إلى عوالمها الإبداعية، عن "حق اللاعودة". النعيمي في كتابها الذي يهجس بالسفر و"السندبادية"، تكتب نصا خالياً من المراوغة، بعنوان "ضد أوليس" تقول فيه: "عندما قرأت في قصيدة لرونيه شار تعبير"حق العودة" فسرتها تفسيراً لا علاقة له بالحب.

حق العاشق الذي رفعها في وجهي مطالباً؟ حق العودة الفلسطيني؟ حق عودتي أنا؟ العاشق عاد إليّ بكلمات الشاعر والفلسطينيون يطالبون بحقّهم في العودة وأنا؟ لا أطالب به ولن أطالب. أريد تأسيس حق اللاعودة وليسقط سندباد وأوليس وحتى إي تي. ليسقطوا جميعاً أولئك الذين أمضوا غربتهم يحلمون بالعودة. غابوا طويلاً وقاوموا كل مغريات البقاء وعادوا. لماذا؟ لا أفهم".

عصا الترحال

وحتى لا يكون الحديث مقتصراً على النساء، فها هو الشاعر لقمان ديركي، وعلى لسان بطله الشهير"هردبشت" يعرّف الأوطان بأنها : "رُقَع لم يدرك سخافتها سوى الغجر.!"

ويجهد ديركي في تنويع الكتابة عن الوطن، بين الجد والتهكّم، فيخترع مثلاً "جغرافيا الوطن" في نصوص ساخرة، تخلط الاجتماعي بالسياسي، دون أن ينسى القارئ، بأن اللجوء إلى الكوميديا، هو قمة الحزن أحياناً، وأن هذه اللغة التهكميّة، المتخليّة، قد تحمل في باطنها، هاجساً مختلفاً لوطن يذوي بين الأصابع، إذ أن الشاعر ديركي، تنقّل في الآونة الأخيرة، كغيره من كثير السوريين، في عدة بلاد، من العراق إلى تركيا، تاركاً خلفه، الشام التي يحب.

أتتحايل النعيمي على منفاها، لتتصالح معه؟ أتنتقم من البلاد التي تركتها خلفها؟ أتحاول التخلّي عن فكرة الوطن، كما تتخلّى مرسال عن فكرة البيوت؟ أتجد رشا عمران وصفة البيوت المتروكة، لدى فكرة التخلّي، أيقتنع هردبشت بحكمة مخاتلة ربما، بأن الوطن ليس في الرقع. هل علينا الآن، لنخرج من هلع الترحال، والبلاد الجديدة التي دخلناها قسرياً أو طواعية، وتحولنا إلى منفيين أو نازحين، أن نفكرّ في "التخلّي عن الأوطان"، وخيانتها، مرددين مع الماغوط: "سنخون أوطاننا" كما قال: "سأخون وطني!".

ربما في نهاية مطاف الوطن، إذا بقي للوطن مكان، أن نتذكر جميعاً ما قاله غسان كنفاني في كتابه "عائد إلى حيفا": "أتعرفين ما هو الوطن يا صفية ؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله!".

14