كتاب طالما اختلف بشأنه

السبت 2018/01/27

إن الكتاب الذي أكتب عنه، هو” القوادة ثيلستينا” الذي يعد من كلاسيكيات الأدب الإسباني، وينسب إلى فرناندو دي روخاس، من شخصيات القرن السادس عشر.

عرّب هذا الكتاب د. محمود صبح الذي يعد من بين أبرز المتضلعين باللغة الإسبانية، وهو كتاب فاسد النسب، وهذا الوصف ليس من عندي، بل سمعته من مستعربة إسبانية، كانت تعمل باحثة في أواسط سبعينات القرن الماضي، في المعهد الإسباني العربي للثقافة بمدريد، ما عدت أذكر اسمها كاملا، وما أذكره إنها البروفسورة مدينه.

فما هو هذا الكتاب ومن هو مؤلفه؟

سأتوقف أولا، عند مقولة للباحث مينينديث أي بيلايو، وهو حجة في تاريخ الأدب اللاتيني، بشأن كتابنا هذا حيث قال “لو لم يوجد كتاب ‘دون كيخوتيه’ لسرفانتس، لكان كتاب ‘القوادة ثيلستينا’ قد احتل المكانة الأولى بين كتب الإبداع في إسبانيا” وقال أيضا “إن شخصية ثيلستينا التي وهبت هذا الكتاب اسمها، تُذْكَرُ مع دون كيخوتيه وسانتشو ودون خوان”.

إن “القوادة ثيلستينا” كتب بتقنية النصوص المسرحية، غير أنه لا يعد في المسرحيات، ويعده بعضهم عملا روائيا، لكنه في الواقع أقرب إلى حواريات الأدب الإغريقي، أي في منطقة وسط بين النص المسرحي والرواية، لذلك فقد أَعدَّ النص الأصلي للمسرح، الكاتبان الإسبانيان، لويس إسكوبار وهوبير تودي لا أوسا، ولعل الأسباب التي دفعت البروفسورة مدينه إلى وصفه بفساد النسب، هي جملة الشكوك التي طالما دارت حول المؤلف، وهل كان روخاس كاتبه؟ وقبل ذلك هل كان روخاس اسما حقيقيا أم مستعارا؟ بالإضافة إلى شكوك أخرى تتعلق بمدينته وديانته ودراسته وعمله، ورغم أن د. صبح، أجاب عن الكثير من هذه الأسئلة، في المقدمة التي كتبها لترجمته، لكن تبقى هذه الإجابات في موضع مازالت تتضارب بشأنه الآراء.

وإذا كانت الرواية التي يرويها الكاتب، مما هو مألوف من القصص أيامذاك، والتي تسللت إلى الكتابة من خزين الحكايات، إذ فيها عاشق هو كاليستو وخادمان هما سيمبرونيو وبارمينيو، ومعشوقة هي ميليبيا، وعجوز شريرة هي ثيلستينا، التي تستطيع بما لديها من خبرة، الجمع بين كاليستو وميليبيا، وتنتهي القصة بموت العاشق في حادث عابر، فتقتل المعشوقة نفسها بذات الطريقة التي مات بها العاشق، وكما هي الأعمال التراجيدية، يقتل الخادمان ثيلستينا للاستيلاء على مدخراتها، فيحاكمان ويحكم عليهما بالموت، في نهاية مألوفة، غير أن الكاتب يجعل منها عملا أدبيا ممتازا، بالإضافة إلى ما تمثل من أهمية تاريخية في الأدب الإسباني.

إن أسئلة كثيرة ظلت عالقة بهذا الكتاب، ومن هذه الأسئلة، أصله ومصدره، وهل كان الأصل الذي اعتمده الكاتب من الروايات الشفهية أم من النصوص المكتوبة؟ وهل كان ذلك الأصل محليا قشتاليا أم لاتينيا أم أوروبيا؟ أما د. محمود صبح، فيتساءل “لماذا ما من أحد قال بأصوله العربية الأندلسية”، وهو لا يستبعد ذلك.

أما السؤال الآخر فهو: هل أن دي روخاس، كتبه فعلا؟ لأن هناك من ينسبه إلى سواه وما وصل إلينا، ليس سوى إعادة كتابة نص قديم، بينما يرى آخرون إن دي روخاس كتبه مرتين، الأولى في شبابه ثم أعاد كتابته بعد حين.

ولعل من الأهمية بمكان أن نشير إلى ذلك الجدل، بشأن الهدف من كتابته، أهو تحطيم الثوابت الأخلاقية، أم هو الهزء من الكنيسة والاستهزاء برجالها، أم هو الاستهزاء بالنساء وتحقير شأنهن، أم هو تصوير لواقع قائم؟

لكنني سأغادر كل هذه الأسئلة، وأقول إن كتاب “القوادة ثيلستينا” نشر باللغة الإسبانية في عدد كبير جدا من الطبعات في إسبانيا وأميركا اللاتينية وترجم إلى عدد كبير من اللغات الأجنبية، وقد صدرت الطبعة العربية التي بين يديّ، بمدريد في العام 1977، غير أنها لم تحقق انتشارا في التوزيع أو القراءة، وظل الاطلاع عليها محدودا جدا، سواء من قبل القراء أو الباحثين العرب.

كاتب عراقي

14