كتاب عالميون يجتمعون تحت سقف بيت يسكنه المجانين

جمعت العديد من المؤلفات كنوزا لا تفنى من المعرفة الإنسانية والخبرات البشرية، فيها خلاصة تجارب فئة رفيعة من الكتّاب الذين خبروا الحياة، وخاضوا دروب الكتابة الإبداعية، وانتهوا إلى سبر أغوار وفك رموز العديد من الأمور التي يصعب فهمها والتعامل معها على الإنسان العادي، وهذه أسمى وظائف الأدب.
الثلاثاء 2016/10/11
الجنون من سمات المبدعين العظماء (لوحة للفنان فلاح السعيدي)

القاهرة - رغم أن الرواية ليست سيرة ذاتية للكاتب، فإن مفرداتها تكون نابعة من روحه، وحين يعيش القارئ داخل عالم خلقه المبدع، فإنه سيكتشف مكنون جوهره. يقول الأديب الأميركي بول أوستر “الرواية هي المكان الوحيد بهذا العالم الذي يمكن لغريبين أن يلتقيا فيه، فتتحقق لهما الحميمية التامة”، تلك الجملة المقتبسة من حوار له بالمجلة الأدبية الشهيرة “باريس ريفيو”، التي تأسست سنة 1953، وحديثا انضم هذا الحوار إلى ثمانية حوارات أخرى، ترجمها أحمد شافعي في كتاب “بيت حافل للمجانين”، ينتقل من خلاله القارئ إلى مساحة أكبر من سماع صوت الكاتب.

يطالعنا الكتاب، الصادر عن الهيئة العامة للكتاب، بصور لتسعة أدباء، قد لا يعرفهم القارئ جميعا، لكن إذا كنت قارئا متابعا فستعرف على الأقل وجها واحدا أو اثنين منهم، إنهم روائيون نالوا حظا كبيرا من الشهرة، جاءت حواراتهم في “باريس ريفيو” تبجيلا لهم -بعد أن تمّ الاعتراف بهم رسميا في أنحاء العالم- وهم مستقرون فوق عروشهم.

أسرار وطقوس خاصة

يستعرض الكتاب داخل صفحاته الـ371، حوارات أدبية لإرنست همنغواي وهنري ميلر وخورخي لويس بورخيس وكارلوس فوينتس وميلان كونديرا ونجيب محفوظ وبول أوستر وسوزان سونتاج وأمبرتو إيكو، للتعرف على تجاربهم في الحياة وفي الكتابة الإبداعية، وأسرارهم وممارستهم الخاصة وطقوسهم في الكتابة، وتفاعلهم مع الأشياء والمدن والطبيعة.

من خلال الرواية يُمكن للقارئ أن يستنبط مثالا لصوت المؤلف، لكن في الحوارات الأدبية يصير صوت الأديب خالصا، هو النغمة الأعلى، التي تتحدث عن “الإيجو” الخاص به أو تنكره، إما تباهيا وإما تواضعا، هذا ما كانت عليه حوارات “باريس ريفيو”، ورغم تغير شخصية المُحاور في كل من تلك الحوارات التسعة، إلا أنه قد جمعت بينهم عدة أسئلة متشابهة عن عادات الكاتب، أين ومتى يكتب؟ كيف بدأ الكتابة في الأساس؟ من أين ينطلق عند كتابة الرواية؟ وغالبا ما يعرج المحاور بسؤال عن رأيه في السينما، ثُم يفرد كل حوار بروح خاصة تجمع بين أسئلة المحاورة وملاحظاتها، وشخصية الكاتب التي تفرض نفسها.

في الحوار الأول تعرف أن همنغواي حادّ الطباع، حينما لا يُعجبه سؤال، فهو يلقي بذلك بكل بساطة، لا يُحمّل نفسه شيئا، أما نجيب محفوظ كما يصفه المحاور فهو “متحفظ على المستوى الشخصي، لكنه دائما صريح ومباشر، يضحك كثيرا”، وهو ما يظهر خلال ثنايا الحوار.

الكاتب الأميركي بول أوستر يرفض استخدام الكومبيوتر في الكتابة، حيث يتمسك باستخدام القلم لأن به خوفا دائما من لوحة المفاتيح

وتشتمل مجموعة الحوارات المترجمة من “باريس ريفيو”، على حوار مع نجيب محفوظ أجرته معه تشارلوت الشبراوي عام 1992، تحدث فيه عن أزمة روايته “أولاد حارتنا”، وأوضح قصده من وراء تأليفه حيث يقول “أردت من الكتاب أن أبيّن أن للعلم مكانا في المجتمع، وأن العلم ليس بالضرورة في صراع مع القيم الدينية، أردت أن أقنع القراء أننا لو نبذنا العلم، لنبذنا معه الإنسان العادي”.

وفي موضع آخر، يحذر نجيب محفوظ من التطرف، ويؤكد أن كل ما يخشاه بحق هو التعصب الديني، فذلك حسب رأيه “تطور هدام معارض تماما للإنسانية”.

في حوار مهم، يعيد إمبرتو إيكو صاحب رواية “اسم الوردة”، تعريف المثقف، حيث يرفض التعريف القديم بأنه ذلك “الشخص الذي يعمل برأسه فحسب، ولا يعمل بيديه، وإنما المثقف هو أي شخص يبتكر ويبدع معرفة جديدة، فالفلاح الذي يفهم أن نوعا جديدا من التطعيم قد ينتج سلالات جديدة من التفاح، يكون قد أنتج نشاطا ثقافيا فكريا، بينما أستاذ الجامعة الذي يظل طول عمره يكرر نفس المحاضرات عن هيدغر لا يرقى إلى أن يكون مثقفا”.

تعريف المثقف

يرفض الكاتب الأميركي بول أوستر استخدام الكومبيوتر في الكتابة، حيث يتمسك باستخدام القلم لأن به خوفا دائما من لوحة المفاتيح، فلم يستطع قط أن يفكر تفكيرا صافيا عندما تتخذ أصابعه وضعية الكتابة عليه، القلم أكثر بدائية، لكنه يشعره بأن الكلمات طالعة من جسمه، وأنه يحفر لها في الورقة، طالما كانت للكتابة عنده هذه السمة الحسية.

الرواية هي المكان الأخير الباقي في العالم للقاء الغرباء

تتخذ تلك الحوارات شكل البورتريهات الأدبية، كما يقول أحمد شافعي في مقدمته، فمن خلالها “تتيح للكتّاب مناقشة حياتهم وفنهم بإسهاب”، وبواسطتها يتعرّف عليهم القارئ بشكل جديد، يستمع إليهم مباشرة، يُدرك نغمة حديثهم، ليس من الضروري أن يعرف القارئ جميع الكتّاب الموجودين، أو يكون قد قرأ لهم عملا أو أكثر، فمن الممكن أن يستفيد من خلالها بمعلومة أو مقولة جيدة.

تتنوّع الحوارات في فتراتها الزمنية، أولها مع همنغواي، الذي نشر حواره في آخر الخمسينات، وميلر وبورخيس في الستينات، ونشر في الثمانينات حوار لفوينتس وكونديرا، وفي التسعينات لمحفوظ وسونتاج، ثُم في سنوات الألفين لأوستر واكو، كما تتفرّد كل مقدمة حوارية بما يجعلها المنطقة الخاصة للمحاور، حيث يصف فيها الظروف الخاصة بالحوار.

البعض من الحوارات تمت خلال عدة لقاءات على مدار سنة كاملة، وهناك أخرى تتضمن وصفا كاملا للأجواء المحيطة بدءا من الطقس، ويقوم ضمنها المحاور بإحصاء تفاصيل الغرفة التي يجلس فيها، كما فعلها جورج بلتمون مع إرنست همنغواي.

عنون المؤلف الكتاب بـ”بيت حافل بالمجانين”، وهو اختيار يشرح مدى تفرّد هؤلاء البشر، وعلى الرغم من إحساس كل منهم بفرديته، لكن يجمعهم بيت واحد، كل منهم يسكن غُرفة بمفرده، البيت يتسع لحجرات أخرى، ولا يسمح بدخوله إلا للطارق المُلح فحسب، يقول الروائي التركي أورهان باموق، في مقدمته لحوارات باريس ريفيو، والتي تلي مقدمة المترجم “كنت أعود من جديد إلى قراءة تلك الحوارات مع فوكنر ونابوكوف ودوس باسوس وهمنغواي وآبدايك محاولا أن أسترد إيماني بالكتابة، وأن أعثر مجددا على دربي”، لذا تضاف إلى مهام الحوارات مهمة أخرى هي شدّ أزر المجانين الموجودين في العالم.

14