كتاب عراقي في التناص بين التوراة والتراث الأسطوري للشرق الأدنى القديم

الثلاثاء 2016/01/12
أول نص ملحمي مكتوب في تاريخ البشرية

بغداد - عن دار ضفاف (الشارقة – بغداد) للطباعة والنشر، صدر مؤخرا كتاب جديد للباحث والناقد العراقي حسين سرمك حسن عنوانه “ليلة تسليم جلجامش لليهود: فضح مغالطات التناص بين الفكر العراقي القديم والفكر التوراتي”. جاء الكتاب في فصلين رئيسيين يتضمنان العشرات من العناوين الفرعية: الفصل الأول: التناص المُدمّر. والفصل الثاني: ليلة تسليم جلجامش لليهود. مع ثلاثة ملاحق؛ الأول تناص آخر يعيد أسطورة شعب الله المُختار إلى الحضارة السومرية، (أسطورة إله الدمار إيرّا). والثاني حول قميص يوسف. أما الثالث فهو هل هذه التوراة هي توراة موسى؟ مع عيّنة من أخطاء وتحريفات وتناقضات التوراة.

في المقدّمة يبيّن المؤلف الحافز الذي دفعه إلى وضع هذا الكتاب بقوله: تصاعدت في الثقافة العربية منذ أكثر من عقدين -وبوتائر سريعة وخطى واسعة- ظاهرة كشف ومراجعة ما يسمّى، وفق المصطلح الحداثي، بـ”التناص” بين التوراة من جانب، والتراث الأسطوري للشرق الأدنى القديم من جانب آخر، وتحديدا أساطير مصر والعراق وسوريا القديمة بما عرف عن امتلاك هذه البلدان من تراث أسطوريّ هائل هو بمثابة الكنوز المعرفيّة التي لا تقدّر بثمن، ومن ريادات مؤصّلة ومشهودة في مجال الفكر الميثولوجي، خصوصا في ما يتعلق بالجانب الديني.

ويتابع مؤكدا أن هذه الظاهرة لم تطرأ حديثا: هذه الظاهرة ليست جديدة، حيث أشار إليها الآثاريون والباحثون في مجال الأسطورة منذ أن بدأت الاكتشافات الأركيولوجية لمنجزات حضارات الشرق الأدنى القديمة، وبشكل خاص الحضارات العراقية (السومرية والأكدية/ البابلية والآشورية)، والحضارة المصرية الفرعونية، ثم الحضارة السورية لاحقا، فقد تنبّه هؤلاء إلى وجود تشابهات تصل أحيانا إلى حدّ التطابق في التفاصيل الدقيقة والتعابير اللغوية التصويرية، بين ما جاء في التوراة من أسفار، والنصوص الأسطورية العراقية والمصرية القديمة.

حتى أننّي قرأت ذات مرّة أنّ الباحث الآثاري البريطاني جورج سميث (1840 – 1876) حين كان يقوم بتدقيق لوح أرسل من مكتبة الملك آشور بانيبال عام 1872، وجد أنه يتضمن أسطورة الخليقة بشكل أكثر دقة ووضوحا من قصة الخليقة التوراتية، فقفز من كرسيّه وخرج من مكتبه واندفع في القاعة، وقد انتابته حالة من الإثارة الشديدة، حتى أنه بدأ يتجرّد من ملابسه، وسط ذهول الحاضرين، لقد كان منفعلا ومهووسا جرّاء التشابه الذي شاهده بأمّ عينه، بين أسطورة الخليقة البابلية وقصّة الخليقة التوراتية.

لكن حسين سرمك حسن يرى أن هذه الظاهرة قد اتسعت وصارت أكثر خطورة على الثقافة العربية عموما والعراقية خصوصا، وأنه من الواجب على الباحثين العرب استنفار إمكانياتهم للتصدي لها، لأنها ستصبح إحدى المعينات على توفير المناخ النفسي والعقلي لتقبّل أطروحة “الدولة اليهودية” حيث يضيف: أمّا الآن، فقد اتسعت دائرة هذه الظاهرة واشتدت خطورتها، لأنّ الباحثين قد استسهلوها، وصاروا يعمّمونها على كل شيء، حتى صرنا نقرأ الكتب عن التناص بين جلجامش العظيم بطل الملحمة العراقية، التي هي أول نص ملحمي مكتوب في تاريخ البشرية، وبين يوسف التوراتي، أو بين الإله البابلي مردوخ خالق الأكوان حسب أسطورة الخليقة ويوسف التوراتي أيضا.

14