كتاب عرب: الرثاء لايليق بوجه طفولي فاتن

الاثنين 2015/01/19
سيدة الشاشة العربية الرقيقة ستظل خالدة بأعمالها في تاريخ السينما المصرية

محمد مستجاب: صورة البريئة الطاهرة


ربما يبدو كلامي غريبا، فاتن حمامة هي حبي الأول، حبي الذي كنت أتمزق فيه، فاتن بالنسبة إليّ حلم كامل يجب المحافظة عليه، تجولت معها وهي تسير مع حليم ورمزي وعمر في “أيامنا الحلوة”، وكنت سعيدا بأغنية “صدفة” التي غناها لها حليم، بعدها كنت أتجول في الجامعة وهي تنتظر خطابات “صالح سليم” فــي “الباب المفتوح”، أو وهي تقف بجوار رشدي أباظة، وتغني “توت توت” كي يبتعد عن عساكر الأنكليز.

ظلت فاتن بريئة وطاهرة في ذاكرتي، كنت أتلوى معها وأبكي في “أريد حلا”، ذلك العمل الذي لم يأخذ حقه من النقد سواء لها أو للمخرج سعيد مرزوق.

ثم تعلمت على يدها في “أبلة حكمت”، بحكمتها واتزانها وكمالها، كما أن لها فيلما بعنوان “حبيبتي” مع محمود ياسين، وقد صور في لبنان، والفيلم وإن كان غير مشهور لها إلا أنه فيلم حديث جدا بمنطق تلك الأيام التي نعيش فيها، قصة حب بريئة وساخرة بين اثنين من الفقراء، وفيها تفاصيل الأنثى التي تكوّن عش الزوجية مع حبيبها، حتى عندما تموت في نهاية الفيلم لا تنسى أن توصي الممرضة على حبيبها، هكذا هي فاتن على الشاشة أو في الحياة.

إذا تحدثت عن مرحلتها الأولى سواء “دعاء الكروان” أو “سيدة القصر”، فقد نجحت في التعبير عن السواد الأعظم من الشعب المصري، طموحه وطريقة تفكيره وحبه، فهي الأنثى المكتملة، السر الدائم في قلوبنا نحن الرجال، الحب الأول والأخير الذي نفتقده في الحياة، هذه فاتن حمامة: الجبروت والقوة والطموح في “إمبراطورية ميم”، و”أفواه وأرانب”، هي تعبر ليس فقط عن المرأة المصرية، ولكن عن المرأة العربية أيضا.


كاتب


محمد صالح البحر: حمامة الروح البيضاء



نادرون جدا هؤلاء المبدعون القادرون على زرع أرواحهم في الزمن، فالأمر لا يحتاج إلى الموهبة فقط، ولا حتى الموهبة الفذة، بل يحتاج إلى حياة كاملة، وأيضا شريطة أن تكون متسقة مع روح المبدع وليست صنيعة إعلامية، وكأن الله قد خلقه مبدعا خالصا، فالناس في الزمن يقدرون دوما على كشف الحقيقة، واستخلاص الصدق، إنها حالة تشبه إلى حد كبير حالة الصوم في كونه علاقة خاصة بين الإنسان والله، لا يفيد فيها أن تخرج للناس بوجه أصفر، أو شفتين جافتين، ولا تتوقف عند حدود الطعام والشراب، وفاتن حمامة إحدى هذه البصمات النادرة في حياتنا وتاريخنا الفني، ليس فقط لكونها ممثلة فذة، ولا لأن وجهها ملائكي جدا، وبريء جدا، قادر في ذات الوقت على تجسيد كل التعبيرات المتباينة، ولا لأنها كانت تعرف كيف تختار أدوارها بعناية فائقة، وذائقة فنية غاية في الذكاء والوعي في فهم كل مرحلة عمرية وفنية تأتي، بحيث سيصعب عليك تماما أن تشير إلى فيلم سيّئ لها، أو حتى متوسط القيمة، بل لأن فاتن حمامة استطاعت بحرفية وصدق أن تجسد حالة الصوم كاملة بينها وبين الفن، فجاءت حياتها مثالا ونموذجا لما يجب أن يكون عليه المبدع، والإبداع لا ينكر أبناءه المخلصين أبدا، بل يهبهم من محبة الناس ما يبقيهم في الزمن، حيث الخلود غاية المبدع السامي”.

سيدتي الجميلة، فاتنتي الأبدية، حمامة الروح البيضاء التي نزلت بالسلام وبالمحبة، ارقدي فوق قلوب محبيكِ بسلام آمن، فالصحراء التي تركتها من خلفك ستظل تردد نداءك العذب ‘إنتي فين يا هنادي’ بأبدية خالصة، ستتباهى به دوما في وجه الكروان كلما حنّ إلى حديقته الصباحية، وستذكرنا به دوما كأيقونة للبحث عن ذواتنا المفقودة، أما قلوبنا المكلومة فلن تكلّ من الدعاء لك.


روائي

محمود قاسم: موحدة القلوب



عندما رحلت المطربة صباح قبل شهرين قامت الإذاعات المصرية بملء يوم الوفاة بأغنياتها فاستعدنا أجمل أزمان المصريين، صباح دفنت وسط بهجة.

واليوم فاتن ترحل وسط محبة والناس كلهم اتفقوا على فاتن حمامة في هذه الرحلة الإنسانية والفنية الطويلة، وامتلأت الأجواء من حولنا بالحب الذي أشعته فاتن علينا بنفس المشاعر التي نكنها لها، لقد توحدت قلوب المصريين بقوة عند رحيل نجومها ونجماتها الكبار الذين ملأوا حياتنا بهجة، وشعر الناس أن كل هذه الأسماء ذات قيمة طيبة سوف تبقى مع كل الأجيال.

هكذا يوحد الفن بيننا بينما تفرقنا السياسة، لكن هل يمكن أن يأتي لنا الزمن بمثل فاتن حمامة؟ لا أعتقد، رحمك الله بالقدر نفسه الذي تسربت الشخصيات التي جسدتها إلى دواخلنا، فصرنا منك مثلما أنت منا سيدة مصرية حقيقية.

قصة زواج فاتن حمامة بعمر الشريف ظلت في قلب كل أجيال المصريين والعالم العربي


ناقد سينمائي



منصورة عزالدين: الممثلة الأولى


فاتن حمامة كانت أول ممثلة عرفت اسمها في طفولتي. كنت في الخامسة تقريبا، وظننت أن الاسم يشير إلى أي بطلة لفيلم مصري. في ذلك الوقت كنت أميز بالكاد الاختلافات في أشكال ممثلات سينما الأبيض والأسود.

وهكذا أطلقت على شادية “فاتن حمامة الحلوة”، وعلى ماجدة “فاتن حمامة اللي بتتكلم بشكل غريب”، ونادية لطفي “فاتن حمامة اللي شعرها أصفر”.

أرى أن فاتن حمامة بدأت تتعامل بجدية مع اختياراتها كممثلة بداية من السبعينات فقط، ومع هذا احترمت دوما موهبتها وحضورها على الشاشة.


روائية


فخر الدين فياض: آخر طيور الحب


زمن بدئنا، كانت كل الأشياء حقيقية في حياتنا؛ في السياسة والاجتماع والثقافة والفن، كان زمنا جميلا ومجتمعاتنا تسير بخطى حثيثة نحو الأمام، نفكر ونتعلم ونتقدم، ونعيد التفكير ثانية.

لم تكن الأيديولوجيات والعقائد والعسكرة قد غزت حياتنا حقا، ولم تكن قد عششت بعد في مفاصل ثقافتنا ويومياتنا المدنية، وكأن العالم خلق طيبا، متكاملا ومتعاونا لا “خيانة” ولا “تكفير”، في ذاك الزمن أزهرت مدنيتنا شعرا وقصصا ورواية وغناء وموسيقى وسينما. طالما تساءلت عن السر الذي يجعل نجوم ذاك الزمن العربي يشبهون نجوم الغرب، هند رستم ومارلين مونرو، نادية لطفي وإنغريد بيرغمان، فاتن حمامة وريتا هايوورث. كذلك عمر الشريف وكلارك غايبل، فريد شوقي وأنطوني كوين، رشدي أباظة ومارلون براندو. لم نكن لنتخلف في شيء عن الحضارة العالمية.

طه حسين، أحمد شوقي، كنفاني، غادة السمان، درويش ونزار قباني. لدينا برلمانات وانتخابات وأحزاب. أديان ومذاهب وأعراق متنوعة تتناغم على أرضية من التعاون والقبول والاندماج في فضاء وطني واحد، مجتمعات تنازع نحو العالم المتحضر.

في ذاك الوسط الفني أتت فاتن حمامة؛ صبية فاتنة، موهوبة، في صوتها دفء وطيبة ذاك الزمن، تبرق الشاشة الكبيرة مع حضورها، تصفق لها القلوب وتنشدها الأعين بهذه الإطلالة الساحرة. سميت سيدة الشاشة العربية بحق، اختارت أعمالها بعناية وحرص عليها جميع من حولها ألا تقدم شيئا يقل سحرا عن بداياتها المتألقة.

ما يملأ القلب بالغصة أن طيور الفن والأدب والثقافة في ذاك الزمن لم يتكرروا وكأن مجتمعاتنا كفت عن التوالد الإبداعي، فلا محمود درويش ولا نزار قباني بعد غيابهما، ولا طه حسين ولا الحكيم، ولا أم كلثوم ولا عبد الحليم، ولا فريد الأطرش.

ورحلت فاتن حمامة أيضا، وظل مكانها في دفاتر الفن وبين طيات القلوب شاغرا، فاتن حمامة آخر طيور الحب والإبداع التي نودعها ونحن ندرك جيدا أن لا سبيل لتعويضها ولا سبيل لإيجاد تحفة فنية تداعب مخيلتنا بشتى المشاعر والأحلام.


كاتب

زين عبدالهادي: أسطورة مصرية خالصة


أحب فاتن حمامة منذ أن رأيتها للمرة الأولى في فيلم عام 1962، كانت فاتن حمامة أسطورة مصرية خالصة، أحبها الجميع في الشرق والغرب، كنت طفلا صغيرا لكنها كانت رمزا لي. رمزا للحب والسلام.

فاتن حمامة إشراقة دور السينما قبل ظهور التلفزيون، الطفلة الفلاحة الغلباوية مع الموسيقار محمد عبدالوهاب في فيلم “يوم سعيد”. المرأة التي تتفجر حبا في “الخيط الرفيع” مع محمود ياسين. المناضلة في فيلم “بورسعيد” مع رشدي أباظة. الفتاة البريئة العاشقة مع أحمد مظهر في “دعاء الكروان”. “سيدة القصر” التي لا تتنازل عن حبها مع يحيى شاهين. والمحامية في “الأستاذة فاطمة” مع الراحل كمال الشناوي كرمز للمرأة الجديدة في مصر. الزوجة التي أكلت كوز البطاطا في “الحرام” مع شكري سرحان عن قصة ليوسف إدريس غاية في الفتنة. اليتيمة في “اليتيمتين” مع فاخر فاخر. وكثير هي أدوار العاشقة التي تضحي بروحها وحياتها مثل “بين الأطلال” مع عماد حمدي، و”نهر الحب” مع عمر الشريف. وأم الأولاد المكافحة في “أفواه وأرانب” مع الراحل فريد شوقي. والحائرة بين أبنائها في “إمبراطورية ميم” أو المدافعة عن حقها في الحرية في “أريد حلا”، والفيلمان مع الراحل رشدي أباظة. أفلامها العديدة مع الرائع عماد حمدي والموسيقار فريد الأطرش والموسيقار محمد فوزي. قصة زواجها بعمر الشريف التي أقامت الدنيا وقتها. ظلت في قلب كل أجيال المصريين والعالم العربي.


شاعر

15