كتاب عن ابن رشد من خلال تجربة فلسفية ذات طابع شخصي

كتاب يبين أن ابن رشد جمع بين الشريعة والحكمة على صعيد واحد، وأنه لم يكن عدوّا لا للدين ولا للفرق الإسلامية لأنه أفاد منهم، ونقدهم.
الخميس 2018/08/30
ابن رشد الشارح وابن رشد الفيلسوف الإسلامي

القاهرة - كتاب “ابن رشد بين الشريعة والحكمة” لمؤلفه الدكتور فيصل بدير عون، هو ثمرة جهد متواصل امتد على عشرات السنين، حرص في تأليفه على أن يحمل الطابع الشخصي للمؤلف الذي آثر أن يكتبه من خلال تجربة فلسفية شخصية بدأت معه منذ انخراطه في دراسة الفلسفة أوائل ستينات القرن الماضي ومازالت قائمة حتى الآن، حيث تزداد خصوبة وثراء مع مرور الأيام والسنين بازدياد قراءة الجديد في حقل الفلسفة بوجه عام والفلسفة الإسلامية بوجه خاص.

لقد حرص المؤلف على أن يضع ابن رشد في إطاره التاريخي على ضوء حالة الفلسفة في المغرب الإسلامي، وعلى ضوء الحالة السياسية التي كان عليها المغرب خلال فترتي دولتي المرابطين والموحدين، لأن الصلة بين مشرق العالم الإسلامي ومغربه لم تنقطع، سواء في الماضي أو الحاضر، ويحسب عون أنها لن تنقطع في المستقبل. قد تكون هناك قطيعة فلسفية، سواء بين المشرق والمغرب، أما الحديث عن “قطع” الصلة الفكرية بين المشرق الإسلامي ومغربه، فأمر يجحده الواقع وترفضه “الثقافة” التي يصعب اعتقالها في حدود جغرافية محددة.

أما عن عنوان كتاب “ابن رشد بين الشريعة والحكمة”، فيقول المؤلف “آثرت أن أجعل في العنوان كلمة الشريعة سابقة على الحكمة، مع أن عنوان كتاب ابن رشد هو ‘فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال’ ولقد رأيت أنه بالنسبة إلى ابن رشد كانت الشريعة عنده، من حيث التحصيل العلمي والنشأة الدينية، سابقة على الحكمة أي الفلسفة، لأن آل رشد كان منهم قضاة الدولة الإسلامية وفقهاؤها، وهذا المنصب قد شغله ابن رشد فترة من الزمن. لهذا، لما كانت الفلسفة بالنسبة إلى دراسة ابن رشد لاحقة للشريعة، فقد آثرت أن أجعل عنوان كتابي هذا ابن رشد بين الشريعة والحكمة”.

إلقاء الضوء على ابن رشد اعتمادا على مؤلفاته
إلقاء الضوء على ابن رشد اعتمادا على مؤلفاته

جاءت هذه الدراسة في خمسة فصول بدأها الباحث من تجربته الفلسفية وابن رشد، وتناول الفصل الثاني المنهج الفلسفي عند ابن رشد، أما الفصل الثالث فخصصه عون لابن رشد الإنسان، ليتعرض إثر ذلك إلى فكرة الألوهية عند الفيلسوف الأندلسي، ويختم مقارباته بتفكيك العالم عند ابن رشد.

يقول المؤلف “لقد حاولت من خلال هذه الفصول جميعها أن أبيّن أن ابن رشد جمع بين الشريعة والحكمة على صعيد واحد. وأنه أبدا لم يكن عدوّا لا للدين ولا للفرق الإسلامية على طول الخط، لأنه أفاد منهم، ونقدهم. وافقهم حينا واختلف معهم أحيانا أخرى. كما حاولت أن أؤكد -بحق- أن التنوير لدى ابن رشد له معنى ومغزى عن معناه الغربي، حيث الفصل الكامل بين الدين والدنيا. ذلكم أن تجربة ابن رشد الدينية كانت أعمق وأقوى مما يتصوّره البعض من خلال قراءة سطحية عاجلة لبعض مؤلفاته، فضلا عن أنّ فريقا كبيرا من الباحثين التبس عليه الأمر، أو قل جانبه الصواب، حينما لم يضع خطوطًا فاصلة بين ابن رشد الشارح وابن رشد الفيلسوف الإسلامي، وهذا ما حاولت هذه الدراسة أن تلقي الضوء عليه، اعتمادا على مؤلفات ابن رشد في المقام الأول”.

وجاء هذا العمل ليصحح موقفا من ابن رشد كان ناجما عن مجموعة من العوامل رصدها الفصل الأول وبتعبير المؤلف “ها أنا ذا أمد يدي لابن رشد معتذرا له عن قصور سابق مني تجاه الرجل الذي أرى أنه شغل الدنيا وشغلته عن جدارة واستحقاق. وأنه بلا شك لعب دورا رئيسا في حركة التنوير التي بدأت إرهاصاتها في بدايات عصر النهضة؛ حيث لعبت الرشدية دورا بالغ الأهمية في هذا الصدد، لكن ذلك لا يعني البتة أنني وافقت فيلسوفنا هنا على ما قاله، فلقد عرضت آراءه هنا من وجهة نظر نقدية، وهذا فحواه أنني وافقته أحيانًا واختلفت معه أحيانًا أخرى، فليس ثمة فيلسوف، مهما كان قدره أو شأنه، عاليا على النقد، لأن آراء الفيلسوف هي في نهاية المطاف وجهة نظر إنسانية تعبر عن رأي صاحبها الذي ليس معصوما من الخطأ”.

جدير بالتنويه أنّ الكتاب صدر ضمن مطبوعات الهيئة المصرية العامة للكتاب.

15