كتاب عن الإنسان في الحرب

السبت 2016/10/08

بخلاف الحديث الرائج الآن والذي يحتفي بمكانة الرواية التفاعلية، يبدو أن الشعر كان أسبق إلى توظيف تكنولوجيا المعلومات الجديدة، وذلك مع بداياتها الأولى. كان ذلك بالضبط سنة 1959، حين استطاع الألمانيان ماكس بِينْس وتيو لوتز خلقَ الأبيات الإلكترونية الأولى عن طريق الكمبيوتر، وذلك بعد أن كان ألان تورين، أحد أقطاب البرمجة المعلوماتية الأوائل قد اكتشف، منذ أربعينات القرن الماضي، إمكانيات الكمبيوتر على مستوى توليد رسائل حب، على طريقة “لعبة الجثة الشهية”.

وتعود تجربة ماكس بِينْس وتيو لوتز بشكل أساس إلى مسارهما. فقد جاء الأول من مجال الكتابة الأدبية والبحث في السيميائيات، وكانت أعماله تبحث عن ترابط منطقي بين الفكر المكرَّس للعلوم الطبيعية والفكر المخصص للعلوم العقلية. أما تيو لوتز فقد كان مختصا في البرمجة المعلوماتية. واستطاع أن يبلورَ برنامجا كان بإمكانه أن يخلق جملا، مختلفة الطول.

تجربةُ بِينْس ولوتز ستُغري آخرين، شعراء أو مختصين في الإعلاميات، ليدخل الإبداع الأدبي بذلك مجالا تجريبا جديدا قائما على البرمجة القبلية التي تفترضها الأنظمة المعلوماتية. فسنة فقط، بعد التجربة السابقة، وهذه المرة بفرنسا، سيتم إطلاق “حلقة بحث الأدب الاحتمالي” من طرف ريمون كينو. كما سينشر هذا الأخير، سنة بعد ذلك، كتابه الشهير “مئة مليار قصيدة”، الذي يمنح القارئ إمكانية خلق عدد قد لا ينتهي من القصائد انطلاقا من دمج أبيات ما. أما قراءة كل قصائد الكتاب، فتحتاج، حسب كينو، إلى مئتي ألف سنة.

وستشكل ثمانينات القرن الماضي، حسب آلان فليمان، منعطفا أساسا على مستوى كتابة القصيدة الإلكترونية. وكان ذلك بفضل ظهور شاشات الكمبيوترات، في مرحلة أولى، ثم انبثاقِ الكمبيوترات متعددة الوسائط. ومنح ذلك جانبا تفاعليا للكتابة الإلكترونية بفضل المزاوجة بين النص والصورة والصوت. كما كان ذلك وراء فيضان من تجارب كتابة القصيدة الإلكترونية، سواء بالولايات المتحدة الأميركية، التي عرفت تأسيس أول مدرسة مختصة في تدريس البرمجة المعلوماتية للشعر، أو بفرنسا، التي شهدت صدور أول مجلة شعرية إلكترونية، ألير، والتي ستحتفي بشكل أكبر بالقصيدة المرئية.

وبذلك، فتحت كل هذه التطورات المتسارعة، التي تعرفها تكنولوجيا المعلومات، الباب أمام تجاوز الحدود التقليدية للكتابة الشعرية، حيث صار الكمبيوتر “كاتبا”، يتدخل في كتابة النص، عبر محدداته على مستوى الألوان وأنظمة العلامات، بينما صار الكاتب الحقيقي لا يتحكم في مآل نصه، بحكم وجود قارئ بإمكانه توجيه النص إلى فضاءات أخرى.

قبل عشر سنوات، قرر الشاعر الفرنسي جوليان بلان، أحد أعلام القصيدة الإلكترونية، توقيف مشروعه التجريبي. وقد يعطي ذلك صورة مفارقة عن مآل تجربة اختارت أن تقتل الكاتب، لصالح كاتب ثانوي اسمه الكمبيوتر.

كاتب من المغرب

17