كتاب عن سليل الطريقة المولوية التي أهملتها تركيا الحديثة

الثلاثاء 2014/01/21
قدسي أرغونر: موسيقي برتبة مناضل مدافع عن الهوية التركية

باريس- صدر عن دار “بلون” الباريسية كتاب بعنوان “ناي الجذور، صوفيّ من إسطنبول“، وهو كتاب يروي السيرة الذاتية للموسيقي وعازف الناي التركي قدسي أرغونر الذي يقيم في باريس منذ أربعين عاما، وهو من الذين لعبوا دورا أساسيا في التعريف بالموسيقى الصوفية التركية في فرنسا وغيرها من دول العالم العربي، حيث أحيى حفلات في “مهرجان الموسيقى المقدسة” في فاس وفي “مهرجان بيت الدين”.

الكتاب هو محصّلة لقاءات أجرتها عالمة الأنثروبولوجيا الفرنسية دومينيك سوان مع قدسي أرغونر الذي التقت به عام 1996، في إطار عملها مع منظمة اليونسكو الدولية. ومنذ ذلك العام، توطدت العلاقة والحوارات الثقافية بين الاثنين. ولا بدّ من التذكير أن منظمة اليونسكو أعلنت رقصة الدراويش الصوفية جزءا من التراث العالمي غير المادي عام 2005، كما أنها احتفلت بميلاد جلال الدين الرومي.


تصدع ثقافي


يبرز الكتاب الجديد الصادر اليوم كشهادة مميزة، ليس فقط عن الموسيقى الصوفية وتراثها المكتوب، بل أيضا عن تحولات المجتمع التركي في النصف الثاني من القرن العشرين، وكما عايشها عن كثب قدسي أورغنر المولود عام 1952.

يروي أورغنر ذكريات الطفولة في إسطنبول، حيث نشأ في كنف أسرة موسيقية من أتباع الطريقة المولوية، فوالده كان صوفيا من كبار عازفي الناي، وكذلك جدّه. غير أن هذا التقليد الموسيقي المتوارث منذ زمن جلال الدين الرومي عرف تحوّلا كبيرا بعد نهاية الإمبراطورية العثمانية، ونشوء الجمهورية التركية التي أصدرت عام 1925، قرارا بمنع الطرق الصوفية في إطار مشروع تحديث المجتمع التركي على الطريقة الأوروبية.

منظمة اليونسكو أعلنت رقصة الدراويش الصوفية جزءا من التراث العالمي غير المادي عام 2005

لم يعد بالإمكان كما في السابق التردّد على التكايا وإحياء الطقوس الموسيقية كما مارسها أجداده. لكن ذلك لم يمنعه من التعرف عن كثب على هذا التراث العريق والتعلق به منذ أن كان في الثالثة عشرة من عمره، على الرغم من أنه كان يتابع دراسته في مدرسة إيطالية علمانية، مع رفاق له يتحدرون من عائلات ميسورة، تركية وأوروبية، مسيحية ويهودية.

في هذا الإطار، يروي قدسي أورغنر كيف أحدثت ولادة الجمهورية التركية لدى الشعب التركي تصدّعا ثقافيا، طال مجالات عدة منها اللغة والموسيقى والأزياء التقليدية التي استبدلت بالأزياء الأوروبية.. لقد قامت الإمبراطورية العثمانية على التنوع الإثني والقومي والديني، وكان العديد من سلاطينها من أتباع الصوفية ومنها الطريقة المولوية.

ويذكر المؤلف في الكتاب تعلقه بشخص السلطان سليم الثالث الذي حكم عند نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، وكان عازف ناي وشاعرا مرهفا ومن أتباع الطريقة المولوية، وقد قام بتأليف العديد من المقطوعات الموسيقية التي ما زالت تعزف إلى اليوم ويقدمها أورغنر نفسه في أمسياته الموسيقية.
التراث الصوفي مرادفا للتخلف والروح الرجعية

أما الجمهورية التركية الحديثة التي قامت على أنقاض الدولة العثمانية فقد تنكرت لماضيها فاستبعدت القوميات الأخرى وجرى استبدال الحروف العربية بالحروف التركية، مما أحدث أضرارا نفسية وثقافية فادحة باللغة التركية حسب قدسي أورغنر، وهو أمر نادرا ما يعترف به المسؤولون الأتراك.

صار التراث الصوفي مرادفا للتخلف والروح الرجعية، ولم تكن الإذاعات تبث الموسيقى الصوفية. ويروي أورغنر كيف أن الشرطة استبعدت والده عام 1965، لأنه في إطار عمله بالإذاعة التركية بث موسيقى صوفية في شهر رمضان.


إعادة اكتشاف


كان على الأتراك انتظار مرحلة الستينات حتى يعيدوا اكتشاف هذا التراث العريق. حدثت هذه العودة في البداية مع تردد الغربيين على مدينة قونية، حيث ضريح جلال الدين الرومي وكان عدد منهم يطالب بمشاهدة رقصة الدراويش. وعندما رأى المسؤولون الأتراك مدى إعجاب الأجانب بهذا التراث الموسيقي قرروا التخفيف من القيود المفروضة عليه والسماح بإطلالته في المناسبات.

وهنا يعبر قدسي أورغنر عن نقده لهذه السياسة الرسمية التي لم تكن تملك الوعي الثقافي لأهمية هذا التراث الروحاني وقيمه الفريدة، وقد أخرجته من الظل لأهداف بعيدة عن جوهره الأصلي ولأسباب سياسية، ولمساهمته في الترويج لتركيا في العالم واستقطاب المزيد من السياح.

يخلص قدسي أورغنر إلى القول إنه بعد ستين عاما من منع التكايا والطرق الصوفية في تركيا، صار التصوف موضة واسعة الانتشار وهو يطلق عليها في كتابه اسم “صوفي بوم” التي يتهافت عليها الجميع لأسباب سياسية وتجارية وسياحية دون معرفة وثقافة. ولم ينحصر انتشار هذه الموضة الصوفية في تركيا بل شمل أيضا بعض العواصم الأوروبية، مما أدّى إلى ظهور شخصيات تركية وأوروبية تدّعي ولأهداف شخصية وإعلامية معرفتها بالصوفية، وهي في الواقع لا علاقة لها على الإطلاق بهذا التراث وغير قادرة على قراءته بلغاته الأصلية.

يتأسف أورغنر على ما وصلت إليه الأحوال اليوم من تشويه للروح الحقيقية للتصوف، وتحوّله إلى أداة لخدمة أهداف لا علاقة لها بجوهر الصوفية كما توارثته الحضارة الإسلامية منذ زمن الحسن البصري. من هنا فإن الصوفيين الحقيقيين بالنسبة إليه اليوم هم الذين يرقدون في الأضرحة.

ولكن هذه النظرة المتشائمة للأمور لا تمنعه بالمقابل من الاعتراف بأن هناك أكاديميين يكرسون حياتهم لدراسة التراث الصوفي بلغاته الأصلية، وهم يساهمون بكتبهم في التعريف بوجوهه الحقيقية بعيدا عن الابتذال الإعلامي.

16