كتاب عن ما بعد الحداثة وانهيار السرديات الكبرى

السبت 2015/01/03
الطائي يستشهد بمؤلفات بوردريار وليوتار في الحديث عن مجتمع الصورة

صدر عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” كتاب بعنوان “السرديات المضادة: بحث في طبيعة التحولات الثقافيّة”، للناقد العراقي مَعن الطائي. الكتاب يستعرض أبرز الأفكار التي ترتبط بالمجتمع المعاصر والسرديات الجديدة التي تتكون وتنشأ الآن. وهو يعتبر أقرب إلى الإضاءات التاريخية والثقافية أكثر منه نقديا إذ نلاحظ المصطلحات والاقتباسات من مفكري ما بعد الحداثة وما بعد البنيويّة.

ثلاث ضَربات زعزعت البنى الفكرية التي يقوم عليها الفكر الغربي، تمثلت في مؤلفات فريدريك نيتشة وكارل ماركس و سيغموند فرويد، إذ يعتبر هؤلاء الثلاثة من المبشرين بالحداثة.

إلا أن الانقلابات الحادّة التي شهدها منتصف القرن العشرين، وأشهرها ثورة الطلاب في فرنسا عام 1968 وقبلها الحرب العالميّة الثانية، أنشأت تصورات جديدة عن العالم، حيث تحاول استبدال تلك المهيمنة منها متمثلة في الشيوعيّة والرأسماليّة، والإضاءة على هذه التغيرات وأبرز المفكرين الذين عملوا بها.


السرد المضاد


بعد الثورة التي شهدتها فرنسا في الستينات والسبعينات ضد الأديولوجيات السائدة تمكنت الحركات الهامشية من الظهور والإعلان عن حضورها حيث وقف العديد من مفكري اليسار إلى جانب هذه الثورة عدا البعض الذين رأوا فيها مراهقة ثقافية.

ثلاث ضربات زعزعت البنى الفكرية التي يقوم عليها الفكر الغربي تمثلت في مؤلفات نيتشة وماركس وفرويد

وتكمن أهمية هذا التحول في سيره بالتوازي مع التطور التكنولوجي، حيث أًصبحت منصات النشر الإلكتروني متاحة للأصوات الهامشية أو “السرديات الصغرى” ومكنتها من بث أفكارها و تصوراتها.

إلا أن التساؤل يكمن في قدرة هذه السرديات على استبدال تلك الكبرى، بل حتى تحويلها إلى هامش ثم التمركز لفرض رؤيتها القادرة على تفسير الكون والإنسان والعلاقات المختلفة بينهما.

ومن هنا نشأ مصطلح السرديات المضادة بوصفها محاولات آنية مرتبطة بالحدث التاريخي في سبيل تفسيره ثم التفكك والعودة للتشكّل في وجه حدث جديد، فالسرديات الكبرى لم تعد تمتلك القدرة على تفسير الكون.

ففي مجتمع ما بعد الحداثة لم تعد المركزيّة وعلاقات القوّة التي تحكم أي خطابسرد قائمة كما كان يقول فوكو، بل أصبحنا أمام عدد لا متناهٍ من الاحتمالات، كل منها مرتبط بجماعة ما وحدث ما.

الكتاب يستعرض التغيرات الثقافية التي مرت بها أوروبا

وبالرغم من أن الكتاب يوضّح هذه الأفكار بصورة وافية إلا أنه لا يربطها بالعالم العربي إلا بنواح بسيطة جدا، علما أن العالم العربي هو الأقل قدرة على إنتاج سرديات متكاملة لا دينية قادرة على امتلاك الحقيقة، فهو الهامش والأكثر تأثرا بنظريات الاستهلاك بوصفه مازال ينتمي إلى مجتمعات ما قبل الحداثة، وترتبط فكرة الاستهلاك بالتبادل الذي يجعل من الإنسان يكتسب قيمته ووجوده من تحوير كوجيتو ديكارت من “أنا أفكر إذا أنا موجود” إلى “أنا أستهلك إذا أنا موجود”، فكلما سعى الإنسان إلى امتلاك السلع المرتبطة بالصورة ازداد اغترابه للوصول إلى درجة أن الصورة تستبدل الواقع، بل وتحل مكانه بحيث يسعى لمطابقتها لا العكس.

يستشهد الناقد الطّائي بمؤلفات جان بوردريار وجان فرانسوا ليوتار في الحديث عن مجتمع الصورة، وعن طغيانها على كافة جوانب الحياة.

ويطرح مفهوم “الواقع الفائق”، أو ذاك المرتبط بالصورة وقيمتها التبادلية وينسحب ذلك على العلامات وانفصال الدال عن المدلول، لنضيع في عالم من الإشارات التي لا ترتبط بأصل، لتحضر بعدها مصطلحات ميشيل فوكو في ما يتعلق بالخطاب وتأسيسه، ومصطلحات جاك دريدا في ما يخص التفكيكالتقويض وانتشار العلامة، كما يطرح المؤلف المواقف العدمية التي تفترضها ما بعد الحداثة من اللغة ومن التاريخ نفسه.


انهيار السرديات الكبرى


يرى الكاتب أن مفكري ما بعد الحداثة وأبرزهم ليوتار قد وصلوا إلى صيغ ترفض الشيوعية والرأسمالية بوصفها سرديات مهيمنة تتصارع في سبيل تحقيق رؤيتها.

كما يطرح آراء دريدا فيما يخص كارل ماركس، كذلك انتقادات الأول لفرانسيس فوكوياما، حيث يضيء على الأصوات التي ترى أن ما بعد الحداثة ترفض حتى النظام الرأسمالي الديمقراطي الليبرالي بوصفه الشكل الأنجح، لنرى أنفسنا بحاجة إلى سرديات مضادة قادرة على تفسير الظواهر دون التحجر والتهميش الذي تمارسه السرديات الكبرى، فالتاريخ لم ينته بعد، بل نحن على عتبة التأسيس لـ”تاريخانيّة” التاريخ بحيث تبدو القيمة المركزيّة مشتّتة، لتجاوز ثنائية الهامش والمركز.

في مجتمع ما بعد الحداثة لم تعد المركزية وعلاقات القوة التي تحكم أي خطاب قائمة كما كان يقول فوكو

الكتاب يعتبر أقرب إلى عرض للآراء المختلفة دون التعمق في العنوان المتمثل بالسرديات المضادة، التي لا يقدّم الناقد لها سوى تعريف ومقارنات مع الآراء المختلفة، دون التأسيس لصورة متكاملة عن آليات تكوّنها وتشكّلها وعلاقتها مع الظواهر الثقافية الأخرى، فالكتاب غني بالمعلومات التاريخية والمرجعية، لكنه لا يقدّم آراء أو رؤى جديدة مرتبطة بما بعد الحداثة، بل أقرب إلى البحث المرجعي في الأدبيات من الألسنيّة لمؤسسها دي سوسيور حتى الآن.

يطرح الكتاب أيضا الجهود البحثية التي قام بها مفكرو الغرب لدراسة التناقضات التي بني عليها التفكير الغربي، والجهود في كسر ثنائية غرب-لا غرب، في إشارة إلى أعمال فوكو في تاريخ الجنسانيّة والجنون والعقاب والمراقبة، كذلك أعمال جاك دريدا في دراسة الخطاب الفلسفي الأوروبي والأسس المتناقضة التي بني عليها في إشارة لمفاهيم الصوت والظاهرة والاخـ(ـتـ)ـلاف، كذلك الإشارة إلى المركزيات التي تخضع لها أوروبا، ضاربا مثال إعادة إنتاج السرديات الكبرى ذات المنشإ الألماني، فنحن نقرأ فرويد عبر لاكان، وماركس عبر ألتوسير وغيرهما من الخطابات التي يحاول حتى الغرب جعلها متوافقة مع الحساسية الاجتماعية والسياسية لكل دولة.

16