كتاب لغزوان الزركلي.. منهج جديد لتقويم التعليم الموسيقي لدى الناشئة

الموسيقار السوري غزوان الزركلي: جهود التقويم عبر خمسين عاما باءت بالفشل.
الأربعاء 2020/12/30
محاولة أخيرة لتعديل الأوتار

كثيرا ما يتم الحديث عن مشكلة معرفية عميقة بفن الموسيقى لدى الناشئة العربية، فلو كانت هذه المعرفة موجودة ومترافقة مع حسّ جمالي مكين لما وصل حال الموسيقى العربية والغناء إلى مرحلة بالغة الانحدار كالتي نعيشها الآن. فالمشكلة تكمن في المعرفة الموسيقية وعدم وجود منهاج تعليمي وتثقيفي فعال ومتطور يحصّن الناشئة من النمط السيء. وفي كتابه الجديد يقدم الموسيقار السوري الشهير غزوان الزركلي منهجا موسيقيا جديدا، فما هي خصائصه وأسسه؟

“كلمة السرّ في نهضة الثقافة الموسيقية هي التعليم،  فإنشاء المعاهد الموسيقية المحترفة المنتمية إلى الوطن والعمل على الحفاظ عليها ودعمها بتأسيس مكتبة موسيقية مركزية هو السبيل الوحيد لبدء هذه النهضة والاستمرار فيها”.. من هذا المنظور تتجه الفكرة عند الموسيقار الشهير غزوان الزركلي لتأسيس مرحلة دراسية موسيقية جديدة تشكل نمطا مختلفا أكثر تطورا في تناول موضوع تعليم المواهب الموسيقية فنونها،  بما يحقق استثمارا أفضل للوقت وتمكين المواهب من المزيد من المعلومات والقدرات الموسيقية التي تأتلف مع الطموح بتحقيق نهضة موسيقية.

ووجد التعليم الموسيقي في سوريا مبكرا من خلال العديد من الفعاليات الشخصية أو المنتديات الفنية التي كانت تعلّم المواهب الموسيقية علوم الموسيقى منذ ما يزيد عن المئة عام.  وحققت العملية التعليمية على أيدي هؤلاء تقدما كبيرا، لكن عملية مأسسة التعليم الموسيقي بمعنى تنظيمه أتت بعد ذلك. إذ بدأت في حلب في العام 1946 بتأسيس فؤاد وفائي آغا للمعهد الموسيقي الشرقي، وفي العام التالي أسس فخري البارودي بدمشق المعهد الموسيقي الذي صار لاحقا المعهد العربي للموسيقى ولا يزال موجودا باسم معهد صلحي الوادي.

ويرى بعض المتابعين أن قطيعة حدثت بين المعهد العربي للموسيقى وبين أجيال عديدة من المواهب الموسيقية بسبب توجه إدارات متتالية للمعهد نحو تدريس الموسيقى الغربية البحتة، فغاب الاهتمام  بالموسيقى الشرقية وهذا ما أحدث تراجعا واضحا في الحالة الموسيقية  في سوريا. وما زاد الأمر تعقيدا،  اعتماد منهج موسيقي قديم كرّس منذ سنوات يعتمد تقسيما محددا للدروس الموسيقية التي يجب على الطالب أن يتبعها ليتعلم الموسيقى في حين أنها لا تقدم له ما يجب سواء من الجانب المعرفي أو العملي.

تعديل منهجي منشود

الهدف من الكتاب تحسين مسار التعليم الموسيقي باعتماد مرحلة تحضيرية تأسيسية لمدة سنتين
الهدف من الكتاب تحسين مسار التعليم الموسيقي باعتماد مرحلة تحضيرية تأسيسية لمدة سنتين

وتماشيا مع فكرة إيجاد حلول لموضوع العوز التعليمي الموسيقي،  وضمن سلسلة مسارات فنية الذي تصدرها الهيئة العامة للكتاب في سوريا  التابعة لوزارة الثقافة، صدر الكتاب الثاني عشر “مبادئ النغم والإيقاع بين الهواية والاحتراف. مرجع للموسيقيين الصغار ومحبي الموسيقى” من تأليف غزوان الزركلي والذي أوجد فيه منهجا تعليميا موسيقيا جديدا  يتضح من عنوانه أنه مخصص للصغار وكذلك لمحبي الموسيقى.

ويقول زركلي مقيّما جهوده في تحديث المنهج التعليمي الموسيقي في سوريا بعد مرور ما يقارب الخمسين عاما إن نتائج الجهود العامة كانت “الفشل شبه التام، عدم النجاح في تقويم الأوضاع الموسيقية العامة والأكاديمية في كل من وزارة التربية (المناهج الموسيقية) ووزارة الثقافة (المدارس الموسيقية الاختصاصية، الثانوية الموسيقية، والمعهد العالي) ووزارة التعليم العالي (كلية التربية الموسيقية بحمص، ماجستير التربية الموسيقية بدمشق)، وفي شأن  الكتابة الموسيقية (الهيئة العامة للكتاب والمجلة الموسيقية) وفي الإذاعة والتلفزيون (دائرة الموسيقى، التسجيلات الموسيقية) بل وفي تنظيم الحياة الموسيقية السورية بشكل عام وفي دمشق بشكل خاص (المراكز الموسيقية الأجنبية، نوادي الموسيقى، سياسة الحفلات، الإعلام والإعلان وغيره)”.

ويضيف أنه “للخروج من متاهة الفشل، فإنه لا بد من التعليم الذي سيوفر في حال وجوده بالمعنى الحقيقي للكلمة الأرضية المناسبة التي ستمكن المعنيين بالأمر من التقييم ثم التقويم الموسيقي المرتجى”.

وعن سؤال بدهي يطرح في سياق تقديم منهج تعليمي جديد  يتمثل في ماهية مضمونه، يجيب الزركلي أن “الهدف  تحسين مسار التعليم الموسيقي باعتماد مرحلة تحضيرية تأسيسية لمدة سنتين ويمكن أن ترافق هذه المرحلة التأسيسية مرحلة التعليم الأساسي العامة التي مدتها تسع سنوات كما يمكن أن يكون منهجا لمحبي الموسيقى عموما وهواتها. فالهدف اعتماد منهج علمي يحقق حد الاحتراف المهني الذي تحققه أوروبا وفي نفس الوقت يعزز قيم الانتماء الوطني للموسيقى العربية عموما والسورية خصوصا بما تحتويه من تراث موسيقي كلاسيكي ذي قيمة عالية يمكنه أن يحقق قفزة حضارية على أيدي موسيقيين محترفين يعرفون حقيقة الموسيقى وأهميتها”.

وفي بيان أكثر تفصيلا بيّن الموسيقار السوري مضمون هذا المنهاج بالتأكيد على أن “المرحلة التأسيسية أو التحضيرية لا تزيل ولا تنفي إنما تضيف وتستكمل.  وتمتد على سنتين بدلا عن السنة الواحدة التحضيرية الحالية وهي أكثر كثافة تعليمية على الصعيدين العملي والنظري من الصف التحضيري الحالي وتحتاج إلى 30 دقيقة إضافية أسبوعيا مقارنة بالزمن المخصص حاليا. هذه المرحلة يراد منها تكوين ثقافة عامة احترافية لأكبر عدد ممكن من الأطفال. ويمكن للطفل التوقف عندها بشكل نهائي إن لم يشأ الاستمرار بدراسة الموسيقى”.

نظام تعليمي محترف

هذا المستوى من التعليم الموسيقي يؤهل النشء، وفق الزركلي، لزيارة المدرسة التخصصية لاحقا، و”في هذه المرحلة نعمد إلى نشر الثقافة الموسيقية بشكل محترف ممنهج، بحيث تساعد المدارس التخصصية بعدها في انتقاء من تراه موهوبا لمتابعة دراسة الموسيقى. كذلك فإن هذا المنهج يعتمد على تكثيف حالة التمرين على العزف على الآلات وليس كسب معلومات موسيقية فحسب، لكي يتاح للطالب ترسيخ هذه المعلومات في ذهنه. والمعلومات الموجودة فيه هي أشبه بالهيكل العظمي الذي لا بد أن تكسوه الحياة الموسيقية الطبيعية بالتمارين  والمقطوعات والأناشيد والألحان التي يجب أن تنتقى بشكل مدروس يحقق استثمار حالة الاستماع لدى الأطفال إلى آخر مدى ممكن  (ثقافة الأذن). المنهج يجب بالضرورة أن يحتوي على كتاب أغاني للأطفال مدون موسيقيا وكتاب للنظريات والصولفيج العام. وآخر للصولفيج العربي الذي يجب أن يحتوي على مبادئ المقامات والأوزان العربية والتفعيلة. ثم كتاب البيانو، فكتاب العود وأخيرا كتاب الكورال. ويجب أن يكون عدد الحصص الأسبوعية له ستاّ بمعدل ثلاثين دقيقة للحصة الواحدة”.

وتضمن الكتاب فصولا تعليمية عديدة: فالأول تناول المرحلة التحضيرية في مرحلة التعليم الأساسي، بينما كان الثاني عن قراءة النوتة وكتابتها، والثالث بيّن مبادئ تعليم العزف على آلة البيانو وخصص الرابع للصولفيج ونظريات الموسيقى والخامس للأوزان العربية، فيما كان السادس عن العزف على آلة العود وتعليم المقامات العربية الأساسية.

وغزوان الزركلي موسيقار سوري ولد في العام 1954 بدمشق درس الموسيقى في أوروبا وحاصل على أربع شهادات جامعية من برلين وموسكو. عمل في التعليم الموسيقي في برلين وموسكو وأوسنابروك ودمشق والقاهرة، وله كتابان في الموسيقى “عن الموسيقى والموسيقيين” و”الصوت والزمن”، وهو مشرف على صف الأداء لطلاب البيانو في المعهد العالي للموسيقى بدمشق. اشتهر بكونه عازفا عالميا على آلة البيانو. وأقام حفلاته في 27 دولة في العالم كما نال الكثير من الجوائز العالمية.

14