كتاب لوزارة التربية المغربية يثير ضجة بين المدرسين بسبب تحقير الفلسفة

الأحد 2017/01/15
اتساع الجدل

الرباط – يعيش المغرب على وقع جدل تربوي حاد بخصوص العلاقة بين الفلسفة والدين بين مدرّسي الفلسفة والتربية الإسلامية، وذلك في ضوء ما جاء في كتاب للتربية الإسلامية بالمرحلة الثانوية يعتبر “الفلسفة أسّ السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال ومثار الزيغ والزندقة”.

وأثار مقرر جديد خاص بقسم “الإيمان والفلسفة” في كتاب التربية الإسلامية لمستوى السنة أولى بكالوريا، صدر منتصف ديسمبر الماضي، انتقاد أساتذة ومدرسي مادة الفلسفة في المدارس الثانوية المغربية.

ويورد هذا الجزء من الكتاب كلاما لأحد علماء المسلمين يدعى ابن الصلاح الشهرزوري (توفي سنة 643 هجرية) عمن يشتغل بالمنطق والفلسفة.

ويقول الشهرزوري “الفلسفة أسُّ السّفَة والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالبراهين، ومن تلبّس بها قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان”.

وتم إدراج هذا الكلام في سياق تناول الكتاب للفرق بين الوحي كوسيلة لمعالجة قضايا الحق والخير والجمال بشكل يفضي إلى إيمان “لا شك فيه ولا ارتياب”، والفلسفة التي اعتبرها الكتاب “ليست كفيلة بإرشاد الإنسان إلى الصواب”.

ولم تستسغ الجمعية المغربية لمدرّسي مادة الفلسفة مضامين الكتاب، معتبرة أنها “مسيئة لمادة الفلسفة والعلوم الإنسانية والعلوم الحقة والطبيعية”.

وطالبت الجمعية وزارة التربية المغربية بـ”التراجع الفوري عن هذه الكتب المدرسية وسحبها من التداول المدرسي درءا للفتنة”.

وترفض وزارة التربية والتعليم المغربية فكرة سحب الكتاب المعنيّ من السوق. ووصف أحد مسؤولي الوزارة الجدل القائم بأنه “محاكمة للنوايا”، لافتا إلى أنه تمت قراءة المقطع “خارج السياق”.

وقالت الوزارة في بيان أول نهاية ديسمبر 2016 إن منهاج التربية الإسلامية يستند إلى “مبدأ الوسطية والاعتدال، ونشر قيم التسامح والسلام والمحبة، ويؤكد على تعزيز المشترك الإنساني بالبعد الروحي الذي يعطي معنى للوجود الإنساني”.

واتسع الجدل ليشمل مدرّسي مادة التربية الإسلامية الذين اعتبروا في بيان أن “الفلسفة التي أنكرها بعض الأئمة الفقهاء، كان يقصد بها الفلسفة الإلهية التي كانت أصولها ترجع إلى فلسفة أفلاطون الوجودية وهي تناقض في أساسها عقيدة الإسلام في التوحيد”.

وبعد أن أكدت الجمعية أنّ لا عداوة لها مع مدرسي الفلسفة، استنكرت مضامين الكتاب باعتبار أن واضعيه “جاؤوا بنصوص فوق مستوى المتعلمين وركزوا في مفهوم الفلسفة على الوجه القديم لها، ولم يتفاعلوا مع مفهومها الحديث”.

وحذر باحثون مغاربة من أن تكون البرامج الدراسية جزءا من اللعبة السياسية، أو أن يسمح للجمعيات المتحالفة مع حزب العدالة والتنمية بأن تتلاعب بالبرامج المدرسية، وأن تمرّ ثقافة متشددة في المغرب الذي عرفت برامجه المدرسية بالاعتدال والانفتاح على القيم الإنسانية.

وأشار عبدالإله السطي، الباحث المغربي في الجماعات الإسلامية والعلوم السياسية، إلى أنه من المفروض في إصلاح مناهج التعليم الديني أن يتيح الانفتاح على المعارف الكونية حتى يتسنّى استعمال ملكة العقل والنقد في مقاربة النص الديني بعيدا عن القراءة النصية الخطية التي تعتبر أصل الداء في إنتاج أشكال التشدد الديني.

وأضاف السطي، في تصريح لـ”العرب”، أن نبذ فيوض الفلسفة والتفكير العقلاني في الكتاب المدرسي يعتبر نكوصا خطيرا عن أهداف الإصلاح، الذي من المفروض أن يتجه نحو تشجيع الانفتاح على باقي المعارف الإنسانية، وعدم الانحصار على زاوية ضيقة في مقاربة النص الديني.

واعتبر الباحث في الجماعات الإسلامية إدريس الكنبوري، في تصريح لـ”العرب”، أن بعض مدرسي مادة الفلسفة يدعون إلى سحب مقررات التربية الإسلامية الجديدة لأنها تتعارض مع الفلسفة، متسائلا لماذا يرفضون تصورا للدين يعادي الفلسفة إذا كانوا يحملون تصورا للفلسفة يعادي للدين.

ويرى الصادق العثماني، مدير الشؤون الإسلامية باتحاد المؤسسات الإسلامية بالبرازيل، في تصريح لـ”العرب” أن واضع الكتاب مثار الجدل ستجده من أنصار الجبهة الأصولية الذين يقدسون النصوص بدون فهم ووعي لسياقاته وزمانه ومكانه.

ورغم محاولات التهدئة، يرى عبدالكريم سفير، رئيس الجمعية المغربية لمدرسي مادة الفلسفة، أن “تفسيرات وزارة التربية غير كافية لأن المشكل أكبر من مجرد اقتباس وارد في كتاب”.

وبحسب رئيس هذه الجمعية فإن “ما كان منتظرا من الإصلاح مثلا (هو) أن يتم تغيير اسم التربية الإسلامية إلى التربية الدينية، لكن لم يحصل أيّ تطور حيث ما زالت الكتب تتحدث عن الكفرة، وما زلنا نخبر التلاميذ أن الإسلام أحسن ديانة في العالم”.

1