كتاب "معنى المعنى" يقدم الترجمة بوصفها فعلا تنويريا

فاز كتاب “معنى المعنى.. دراسة لأثر اللغة في الفكر ولعلم الرمزيَّة” لمؤلِّفيه تشارلز أوغدن وزميله آيفر رتشاردز والذي ترجمه كيان أحمد حازم يحيى من العراق عن الإنكليزية، بجائزة “الشيخ زايد للترجمة” نظرا إلى ما لهذه الدراسة المترجمة من أثر في اللغة والفكر وكشوفاتها في ما يخص عِلم الرمزيّة، إضافة إلى تميز الترجمة التي قدمت أثرا مهما بشكل بالغ الدقة إلى الثقافة العربية.
السبت 2016/05/21
أهمية التنوير الترجمي

في ثمانينات القرن العشرين، وعندما تولّجنا الدراسة الأكاديمية في (كلية الآداب – جامعة بغداد)، كنّا كثيرا ما نسمع من أساتذتنا الأجلاء، ومنهم الراحل عناد غزوان (1934 – 2004)، عن أهمية مطالعة فصول عدة من كتاب “معنى المعنى.. دراسة لأثر اللغة في الفكر ولعلم الرمزيَّة” لمؤلِّفيه تشارلز أوغدن وزميله آيفر رتشاردز، إلاّ أنَّ عودنا المعرفي في حينها لم يكن يقوى على قراءة هكذا كتاب معمَّق بلغته الإنكليزية.

لقد حاول بعضنا ذلك لكنّه استصعب الأمر، وبدلا من ذلك، كنّا ننصرف إلى قراءة كتاب “مبادئ النَّقد الأدبي” لآيفر ريتشاردز (1925)، الذي كان مترجما إلى العربية باكرا من طرف محمد مصطفى بدوي، ومراجعة لويس عوض وسهير القلماوي، وهي الترجمة الفريدة لهذا الأثر الدسم في مادته المعرفية.

تجربة فريدة

إن قراءة الكتاب التي كانت صعبة بالأمس ها هي اليوم يسيرة عبر جهد تاريخي بذله كيان الزبيدي (بغداد 1966) لما ترجم كتاب “معنى المعنى.. دراسة لأثر اللغة في الفكر ولعلم الرمزيَّة” ليصدر بطبعة أنيقة وافية عن دار الكتاب الجديدة المتحدة في بيروت عام 2016.

كان كتاب “معنى المعنى” قد تم نشره بلغته الإنكليزية لأول مرَّة في عام 1923، وتوالت طبعاته متكررة حتى عام 1989، وهي الطبعة التي لقفها الزبيدي، أستاذ اللغة العربية في كلية الآداب جامعة بغداد، وعكف على نقلها إلى العربية في تجربة تواصلية فريدة دالة على عُمق إرادته ومتانة عزيمته وهو يتصدى لترجمة هذا الأثر الكبير إلى العربية بعد أن بقي قرابة ثلاث وتسعين سنة ماكثا في لغته الأصل دون أن يُقبل أحد المتخصصين في مجاله على تقديمه إلى القارئ العربي، حتى نالت ترجمة كيان الزبيدي الأولى والفريدة له “جائزة الشيح زايد للكتاب – فرع الترجمة” في دورتها العاشرة لعام 2016، فكان التكريم بالفوز استحقاقا في محله.

المُترجم حافظ على أنطولوجية ترسيم “فقرات” الفصول والمباحث في الكتاب كما هي في متنها الإنكليزي

في تقديمه لهذه الترجمة، كشف الزبيدي عن رحلته المعرفية – الوجودية مع هذا السفر الخالد، تحدَّث عن أشواط اقتباله لقراءة فصوله حتى استقر به الحال على خوض تجربة من هذا النوع. وفي هذا السياق يفهم الزبيدي الترجمة بأنّها “نقل مضمون ثقافي من لغة إلى أخرى”. إلاّ أن هكذا مَهمة معرفية لا تبدو بسيطة بإزاء كتاب بهذه القيمة العلمية والجمالية، وذلك ما دعاه إلى تحقيق قدر من التماميه الترجمية التي تستوفي حق نقل هذا الأثر إلى العربية، فراح يستكنه تأريخ طبعات الكتاب الثماني بلغته الأصل منذ عام 1923 حتى عام 1989، ليتسنى له الدخول إلى عوالم متن هذا النَّص عبر علاقة تطلّبت منه الإقامة المعرفية فيها لكشف أسرارها، وتبيان مقاصد دلالات ما يريد قوله أوغدن وريتشاردز، وبالتالي الحفاظ على جسديَّة الكتابة فيها بحيث راح يستنفر دروب الأمانة العلمية في ترجمة المضمون والسياق وما بينهما من ظلال الدلالات، فالحديث عن معنى الـ”معنى” يستدعي ذلك على نحو حتمي لما في ذلك من رؤية جمالية تتجاوز مجرد الكتابة عن شيء ما.

أثر أصيل

لقد حافظ المُترجم على أنطولوجية ترسيم “فقرات” الفصول والمباحث في الكتاب كما هي في متنها الإنكليزي ليكون القارئ على بينة من أمره وهو يتصفح النَّصين بلغتيه، الإنكليزية والعربية، عبْرَ “جعل أرقام صفحات الأصل الإنكليزي محصورة بين معقوفتين” في المتن العربي للنَّص.

إن هذا التنوير الترجمي سنجد له صولاته في هذه الترجمة، لقد أتى هذا الكتاب على ذكر الفلاسفة والعلماء والفنانين والشُّعراء وبقية الأعلام في فصوله ومباحثه، ولذلك حرص المترجم على فهرسة كل ذلك، ومن ثم لجأ إلى فهرسة المصطلحات والمفاهيم ذات الأهمية الكبرى في المجال الذي يشتغل عليه متن الكتاب، ناهيك عن العدد الكبير من الهوامش التوضيحية والتحليلية التي من شأنها إضاءة المتن بكل ما فيه من ثراء معرفي وفلسفي وجمالي.

الكتاب ترجم إلى العربية بعد تسعة عقود

لقد حرص المُترجم على نقل كل تصديرات الطبعات إلى اللغة العربية التي كتبها أوغدن وريتشاردز بلغتهما الإنكليزية الأصل. جاء الكتاب في عشرة فصول، هي “الأفكار والكلمات والأشياء”، “سلطة الكلمات”، “الأحوال العلاماتية”، “العلامات في الإدراك الحسي”، “قوانين الرمزية”، “التعريف”، “معنى الجمال”، “المعنى عند الفلاسفة”، “معنى المعنى”، “الأحوال الرمزية”، “ملخص الكتاب”. ومن ثم تتبع ذلك تذييلات عدَّة؛ “في النَّحو”، “في السياقات”، “نظرية العلامات عند أينيسديموس”، “مع عدد من المعاصرين: هوسرل، رسل، فريجة، غومبيرز، بالدون، بيرس”، “في الوقائع السالبة”. إلى جانب ذلك، ضمَّ متن الكتاب ملحقين؛ الأول بقلم برونسلاف مالنوفسكي بعنوان “مشكلة المعنى في اللغات البدائية”. والثاني بقلم كروكشانك بعنوان “أهمية وجود نظرية للعلامات ونقد اللغة”.

ما هو رائق في ترجمة متن كتاب “معنى المعنى.. دراسة لأثر اللغة في الفكر ولعلم الرمزيَّة” هو ما كتبه الروائي والناقد السِّيميائي الإيطالي أمبرتو إيكو عن هذا الكتاب في أثناء التحضير للطبعة عام 1988، وهو التقدمة الفريدة التي حرص المُترجم على نقلها إلى القارئ العربي لما فيها من قراءة مركَّزة جاءت تحت عنوان “معنى.. معْنى المعنى” (ص 19 وما بعدها).

يعتقد إيكو أن “معنى المعنى…” كتاب جدير بالقراءة كونه أثرا كلاسيكيا معترفا به، بل كونه الكتاب الأصيل الذي أثر في الدراسات المتأخرة في مجاله، ويجب أن يكون حاضرا في الذهن إذا ما أردنا فهم ما جاء بعده، فضلا عن أن قراءته ما زالت مثيرة. وإلى جانب ذلك يرى إيكو أن هذا الكتاب ما زال بإمكانه أن يقول كل هذه الأشياء للقارئ الاعتيادي وقد يكون لديه بعض ما يقوله للقارئ المتخصِّص، ناهيك عن الطابع الريادي الذي يتمتَّع به. لقد كشفت قراءة إيكو لمتن الكتاب عن خوض المؤلفين تجارب تحليلية مقارنة كثيرة خاصّة بعدد كبير من الفلاسفة الذين خاضوا بدورهم غمار تأويل المعنى وفلسفة العلامة وتفعيل السياق في التحليل النّصي والجمالي.

وبعد، فإن ترجمة هذا المتن بعد أن بقي في لغته الأصل لأكثر من تسعة عقود تعد مؤشرا له أهميته الخاصّة والكبيرة في المجال الذي يخوض فيه الكتاب، وهي ترجمة جريئة كونها حملت هما معرفيا أفرجت عن أساريره الخاصّة به.

لقد كان للجمع بين اللغتين العربية والإنكليزية المتوفر لدى الدكتور كيان الزبيدي أهميته الخاصّة بالنسبة إلى جماليات نقل الكتاب من لغة إلى أخرى في ظل تنوير المتن بالهامش وتنوير الهامش بالمتن، وفي ظل نظام رسم الكلمات العربية بجماليات التحريك العلاماتية حتى بدا النَّص العربي المترجم أيقونة جمالية تستهوي القارئ العربي.

17