كتاب منسيون

السبت 2017/10/21

في كثير من لحظات الإبداع الإنساني، ثمة مئات الكُتاب المنسيين. منهم من يـتألق خلال لحظة ما، ثم ينسحب من مشهد الكتابة، ومنهم من يولد مغمورا ويرحل مغمورا، ومنهم من يراكم عشرات الأعمال دون أن يتمكن من حجز مكان له داخل تاريخ مشهد الكتابة، إما لعدم قدرته على نحت اسمه إعلاميا أو لتواضع قيمة ما يكتبه. ومنهم من يَقنع بدور الكومبارس داخل مشهد أدبي قد يبدو أكبر منه. ومنهم من يشكل المنجم السري لبعض الكتاب “الأذكياء”. تماما كما فعل كاتب بحجم ميشيل هولبيك، حينما منح لروايته “الخارطة والأرض”، الحائزة على جائزة الغونكور قبل سنوات، عنوانا يعود إلى كاتب مغمور اسمه ميشيل لوفي.

وفي جميع الأحوال، يشكل الكُتاب المنسيون، دون اختيار منهم في غالب الأحيان، الحطبَ الذي يشتعل فوقه مشهد الكتابة. إذ لا مشهد من دون جوقة كبيرة من الكتاب، لها رأس ولها ذيل. فأما الرأس فيشغله الكتاب الذين يحظون بقراء أكثر وبحضور لامع، وأما الذيل فيضم كتابا تظل أسماؤهم حبيسة أغلفة كتبهم التي قد لا يقرأها أحد.

الباحث الفرنسي إريريك دوسير يعود إلى موضوع الكُتاب المنسيين من خلال كتابه الأخير “الغابة المخفية”، حيث يقدم بورتريهات لأكثر من مئة وخمسين كاتبا لم تُكتب لهم الشهرة. ويقر الباحث بالطابع النسبي لمعايير اختياره لكُتابه، باعتبار أن الكاتب الذي قد يكون معروفا لدى قارئ قد يجهله أخرون. ولذلك شملت أضمومتُه كُتابا غير معروفين، بشكل مجاور مع آخرين منسيين حظوا بشهرة ما، من قبيل الكاتب الفرنسي ألفونس كار الذي كانت أعماله تحقق أرقاما مذهلة على مستوى المبيعات.

ولا يشكل النسيان المآل النهائي. ثمة من يسترجع توهّجه، خصوصا بفضل صناعة النشر التي تمتلك القدرة على منح حياة جديدة للكثير من الأعمال المنسية. ولذلك تتسابق دور النشر القوية، والغربية منها بشكل أساسي، على إطلاق سلسلاتها الخاصة بإعادة نشر الكثير من الأعمال التي لم تحظ في وقتها بالاهتمام الذي يليق بها، وذلك مع جهد على مستوى انبهارات الماركوتينغ.

ويحدث أن تشكل العودة إلى الكُتاب المنسيين فرصة، ليس فقط لإعادة الاعتبار إليهم، ولكن أيضا لإعادة كتابة لحظات إبداعية في مجملها. ذلك ما حدث على سبيل المثال مع اكتشاف نص “الزاوية” الذي كتبه التهامي الوزاني في بداية الأربعينات من القرن الماضي، حيث مثّل نَفض الغبار عن هذا النص وعن صاحبه فرصة لإعادة كتابة تاريخ الرواية المغربية ولبدايات مساراتها الفعلية.

أفكر الآن في حالة الروائي محمد لفتح الذي سيتم تداول اسمه بالمغرب بشكل واسع بعد رحيله، وإن كان الرجل قد راكم عددا من الروايات الأنيقة الصادرة عن أكبر دور النشر بفرنسا. في الكثير من الأحيان، يحتاج الكثير من الكتاب ساعةَ رحيلهم كي تدق ساعةُ شهرتهم المستحقة.

كاتب مغربي

17