كتاب "من الحطب إلى الذهب" يربط بين حكايات فرنسية وسعودية

الجمعة 2015/03/20
محمد الجويلي يدعو إلى ضرورة الاعتناء بالحكاية وبالطفل والمرأة والتراث

باريس- يستعدّ مخبر البحث في الديناميات الاجتماعيّة واللّغويّة لاستضافة محمد الجويلي بجامعة روان الفرنسية (Rouen) في مائدة مستديرة لمناقشة كتابه “من الحطب إلى الذهب”، لما له من أهميّة في مدّ الجسور بين الثقافتين السعودية والعربية بشكل عام والثقافة الفرنسيّة وحوار الحضارات بصفة خاصة.

كان يا ما كان في قديم الزمان حكايتان، واحدة سعوديّة وأخرى فرنسيّة، هما في الحقيقة حكاية واحدة بروايتين، وجاء في هذا الزمان باحث أنثروبولوجي تونسي كشف عن هذه الصلة- اللثام، هكذا قدّمه محاوره الصحفي السوري كمال البنّي في الحوار الذي أجراه معه على قناة فرنسا 24 التلفزيونيّة وسرعان ما انتشر هذا الحوار على تويتر وعلى الفيسبوك ولاقى إعجابا كبيرا من المشاهدين.

لقد انشغل الأنثروبولوجي التونسي محمد الجويلي في كتابه “من الحطب إلى الذهب”، بحكايات من التراث الشعبي السعودي، واهتمّ بحكاية دوّنها عبدالكريم الجهيمان من خلال مقارنتها بحكاية فرنسية شهيرة من حكايات شارل بيرو (1628 - 1703) التي جمعها من التراث الشفوي الفرنسي بعد تقاعده من منصبه مستشارا كبيرا للملك لويس الرابع عشر، ليكشف ما كان غائبا ومجهولا: أن يربط بين حكايتين ولغتين وثقافتين مختلفتين، وقد ذاع صيت الكتاب “من الحطب إلى الذهب” بين الأوساط العربية، على هامش المعرض الدولي للكتاب بباريس السنة الماضية، لطرافته وطرافة الإهداء فيه، فكتبت عنه صحيفة الصريح التونسية كونه هدية وفاء من التونسيين إلى الشعب السعودي، وهو فعلا هدية من الكاتب إلى سيدة سعودية بصفة خاصة وإلى الشعب السعودي بصفة عامة، كما ورد في نصّ الإهداء الذي نورده كاملا لطرافته وجماليته:

«إلى سيدة سعودية، سيدتي نحن لا نعرف لك اسما ما نعرفه عنك فقط هو أنك سعودية. في البدء كانت حكاية. لم يمض على حلولي بالرياض أنا وعائلتي الصغيرة إلّا بضعة أيّام. كان ذلك في سبتمبر2010، قصدت وزوجتي وطفلانا الأورومارشيه لقضاء بعض الحاجات الضروريّة.

ولم يكن يدر بخلدنا أنّ طفلنا الذي لم يتجاوز الخمس سنوات من العمر والذي كان يستعدّ للدخول في سنة دراسيّة إعداديّة بإحدى مدارس الرياض كان مشغولا بأدواته المدرسيّة أكثر من انشغالي ووالدته بتوفير القوت له ولشقيقته! سحب طفلنا في غفلة منّا محفظة جميلة واتّبعنا.
الكاتب انشغل بحكاية سعودية ومقارنتها بحكاية فرنسية حلّل فيها الأبعاد النفسية والاجتماعية والانثروبولوجية لمقاصد الحكاية السعودية - الفرنسية

انتبهت والدته إلى الأمر وكنت أمامهما فقالت له “لم يحن الوقت بعدُ للدراسة سنشتريها لك لاحقا” وأخذتها منه فأثار ذلك حسرة شديدة في نفسه. لقد تبيّن أنّ ثمنها يفوق ما أخذناه معنا من الأموال. عندما هممنا بالخروج من السوق ظلّت عينا الطفل وقلبه وهذا ما فهمناه لاحقا مشدودين إلى الخلف، إلى المحفظة التي تركها وراءه “مكرها أخاك لا بطل”.

لقد تبيّن أنّه ثمّة سيّدة سعوديّة كانت تصطفّ وراءنا تراقب المشهد عن كثب. أومأت إلى ابننا خفية فقصدها يحثّ الخطى. التفتنا إلى الوراء فرأيناه يجرّ المحفظة ذاتها وراءه ما أثار استنكارنا ودهشتنا.

أمرناه بأن يرجع المحفظة إلى مكانها. تراجع الصبيّ إلى الوراء واقترب من هذه السيّدة وأومأ بيده إليها. لقد فهمنا في تلك اللّحظة أنّها اقتنتها له. ذهبت زوجتي إلى المرأة لتشكرها. فقالت لها “هي هديّة منّي يتذكّرني بها ويتذكّر السعوديّة والسعوديين عندما يكبر ويتفوّق في دراسته” ثمّ انصرفت بعد أن تمنّت لنا إقامة طيّبة في الرياض بين أهلنا وذوينا. سيّدتي كانت هديّتك أوّل محفظة يحملها ابننا ياسين إلى المدرسة وهو لا يزال يذكرك بها وهديّتك مازلنا نحافظ عليها كقطعة ثمينة في بيتنا.

بحث أنثروبولوجي في شكل هدية إلى سيدة سعودية

إليك نهدي هذا الكتاب ومن خلالك نهديه إلى كلّ النساء السعوديات، أمّهات وجدّات من اللّواتي مازلن يحافظن على تقليد سنّته أمّهاتنا وجدّاتنا عبر العصور، أن يكنّ دائما وأبدا ينبوعا لا ينضب من المحبّة والعطاء، ينذرن أنفسهنّ إلى تربية الطفل والسهر عليه وحمايته ليقوى عوده ويشقّ طريقه في الحياة متحدّيا محنها وصعابها مستعملين الهديّة، “هديّة حبّ”: أغلى الهدايا، محفظة أو حكاية حفظتها ذاكرتهنّ، قنديلا يضيء لأطفالنا دروب المعرفة المتشعّبة ومسالك الحياة المعتّمة».

هكذا كان الإهداء إهداء إلى سيدة سعودية ومن خلالها إلى كلّ السعوديين، وذلك بالانشغال بحكاية سعودية ومقارنتها بحكاية فرنسية حلّل فيها الكاتب الأبعاد النفسية والاجتماعية والأنثروبولوجية لمقاصد الحكاية السعودية - الفرنسية، وفكك رموزها ودلالاتها التي تخفى على غير دارسها فأحيا بذلك تراثا، وأضاف جديدا إلى المكتبة العربية، وهو إضافة إلى رصيد المعرفة من شأنه أن يطوّر البحوث الإنسانية ويرقى بالبحث العلمي، وهذا ليس بجديد على الباحث محمد الجويلي المعروف بكتاباته المتميزة وبإضافاته النوعية، فهو الرائد في أنثروبولوجيا الحكايات الشعبية في تونس، درّس التراث الشعبي في جامعات مختلفة انطلاقا من تونس مرورا بنيويورك والبحرين، وصولا إلى المملكة العربية السعودية، فكان بذلك قد سنّ علما جديدا وأرسى أصولا جديدة في الدرس الأكاديمي، كما قال عنه كبير الناقدين التونسيين توفيق بكار في تقديمه لكتابه “أنثروبولوجيا الحكاية” .

فالكتاب ليس رحلة في البحث الأنثروبولوجي فقط بل هو رحلة في الماضي والحاضر، في الحكايات والدلالات، في ما تنشده الأمهات والجدات وما يهدينه من حب ورعاية للأبناء والأحفاد، وتطلّع إلى المنشود وتأمّل في مستقبل أفضل ينشأ فيه الطفل بين أحضان الأمّ والحكاية. إذ يخاطب الكتاب الطفل والمجتمع من خلال الذاكرة، كلّ له دوره ووظيفته في الكتاب وفي الحكاية، وهو ما تتضمنه رسالة الكاتب من دعوة إلى ضرورة الاعتناء بالحكاية وبالطفل والمرأة وبالتراث الشفوي الذي يمثل جزءا من الماضي والحاضر والمستقبل.

14