كتاب نقدي يغامر في قراءة جماليات الشعر المغربي المعاصر

ربما آن للنقد أن يتخلى عن صرامته النظرية، وأن ينتقل من بنيات وممكنات النص الإبداعي إلى الامتدادات الفكرية والاجتماعية، فيتعدد بذلك النص الإبداعي في قراءات غير متصلبة، ساعية إلى خلق تلك المصاحبة بين النص الإبداعي والنقدي.
الأربعاء 2016/03/02
قراءات جادة في نماذج من الشعر المغربي المعاصر

يحتوي الكتاب النقدي الأخير “شعرية اللغة والرؤيا في الشعر المغربي المعاصر” للباحث المحجوب عرفاوي، على قراءات جادة وهادئة في نماذج من الشعر المغربي المعاصر. وقد صدر الكتاب مؤخرا ضمن منشورات فرع اتحاد كتاب المغرب بالفقيه بن صالح.

ويتناول عرفاوي بالبحث كلا من ديوان “الفروسية” للشاعر أحمد المجاطي، وتجربة الشاعر عبدالله راجع، وديوان “شرفة يتيمة” للشاعر صلاح بوسريف، وكذلك “عاريا أحضنك أيها الطين” للشاعر محمد بوجبيري، إضافة إلى “شاهدة الأحبة” للشاعر إدريس علوش، وديوان “قاب كأسين” للشاعر فتح الله بوعزة، إضافة إلى “قصائد في ألياف الماء” للشاعرة نجاة الزباير، فضلا عن ديوان “آت شظايا من رسائلهم” للشاعر عبدالغني فوزي.

أما ما يتعلق بالعتبات، فقد نحت عرفاوي لكتابه عنوانا مشحونا من الداخل “شعرية اللغة والرؤيا”، باعتباره قد اختار الاشتغال على اللغة تحديدا كمعبر للخصائص الفنية، بل أكثر من ذلك، فهو حمال لرؤيا الذات والعالم.

ويسعى الباحث من خلال مبحثه في مفهوم “شعرية اللغة” إلى تلمس مجموع الشروط الفنية التي تجعل اللغة تتخذ استعمالا شعريا. وبعد هذه العتبة الدالة على عمق وامتداد الداخل أو المسكن، نجد الكاتب يطرح أقوالا موازية انطلاقا من الإهداء الذي يحتفي بالكتابة والحياة أساسا، كما يحتفي بتجارب شعرية يتقاطع معها في الحياة المنشودة بين الاختلالات والمآزق التاريخية التي تضع الفرد والأمة في المفترق. هذا فضلا عن استحضاره لأقوال مثبتة قبل البدء لابن عربي والعماد الأصفهاني وأبي حنيفة، أقوال تعترف بجدل المعرفة ونسبيتها، وأنها دائما مفتوحة على الإضافة والتحصيل.

هكذا نجد أنفسنا أمام كتاب نقدي مهندس، يحدد موضوعه في مقدمة تطرح الأرضية والتصور المنهجي. فقد ورد في مقدمة الكتاب “وقد ارتأت هذه القراءات ألّا تكون أسيرة منهج واحد من منطلق أن أي منهج بقدر ما يضيء جانبا في النص الإبداعي، فإن جوانب أخرى تظل معتمة.

لهذا آثرنا التعامل مع المنهج التذوقي والمنهج البنيوي التكويني ونظرية التلقي، مركزين على الانتقالات الموضعية من بنية النص الشعري إلى البنية الأدبية والثقافية المؤطرة لرؤيا الشاعر”، انتهاء بخلاصة تؤكد على بعض الأفكار، من قبيل أن هذه التجارب الشعرية واجهت الواقع المتردّي شعريا، إذ ورد في الخاتمة “لدينا تجارب شعرية مغربية مهمة جدا تسمح لنا بالقول إن الأزمة لا تتعلق بالإبداع، بل ترتبط أساسا بالقراءة، التي تتحمل فيها المسؤولية الأسر وسياسة الدولة اللا ثقافية والمؤسسات الثقافية والتربوية والإعلام الثقافي. ويلزم على خطابنا النقدي أن يلتفت إلى هذه التجارب وتجارب أخرى تحبل بشعرية لغوية ورؤياوية”.

اختار الباحث مقاربة كل ديوان أو تجربة من زاوية موازية للعمل الشعري، فقد بحث عن المضمرات في فروسية المجاطي الماثلة في رموز تستنهض الوضع بكيفية شعرية احتمالية. في حين توقف الباحث عند تعدّد المرجعيات في شعرية عبدالله راجع، مرجعيات متعددة الأصوات والأفكار في جدل خلاق مع المتخيل.

أما في “شرفة يتيمة” فقد حاول الباحث استقصاء شعرية اليتم، وفي ديوان بوجبيري “عاريا أحضنك أيها الطين” قارب الناقد تيمة الطين في كل تشكلاته التي اغتنت بها النصوص، كما قارب في “شاهدة الأحبة” سؤال الموت. أما في “قصائد في ألياف الماء”، فكان الماء بوحا ذاتيا. وفي ديوان “قاب كأسين” تتبع الناقد تمظهرات الدهشة، فيما تناول في ديوان “آت شظايا من رسائلهم” ثيمة الاحتراق.

المحصلة أن الكتاب سعى إلى إبراز خصوصية كل شاعر في استعمال اللغة والصور والمتخيل، واشتغاله على ثيمات معينة.

يعرض المحجوب عرفاوي في هذه المقاربة من القراءات بعضا من انشغاله النقدي في الشعر الذي غالبا ما يكون ضد السلطة. وهو يرتاد أراضي الشعر المغربي في بعض نماذجه المنيرة. وتتبدّى، من خلال حفره، الصلة القوية بالنص، في إنصات هادئ وعميق لما يعتمل بين طبقاته، دون تقوقع على مفهوم أو عمى نظري موجه دون بصر ولا بصيرة.

15