كتاب وإعلاميون: دراما رمضان.. شاهد وأنت ساكت

مسلسلات هذا العام تعاني من ضعف النصوص المكتوبة، نظرا لانتشار ظاهرة ورش الكتابة، التي أفرزت أعمالا مليئة بالثغرات.
الأربعاء 2019/05/22
أداء محبط وأخطاء كثيرة

بعد انتصاف شهر رمضان، تكون الصورة أوضح لتقييم الأعمال الدرامية المعروضة خلال هذا الشهر، حيث انتهى بعضها وانتصف بعضها الآخر، ما يقدم صورة متكاملة لتقييم منتج هذا العام من المسلسلات الدرامية والكوميدية. وقد جاءت أغلب التقييمات سلبية، خاصة ما يتعلق بالدراما المصرية التي تعتبر من أهم منتجي الدراما في الوطن العربي. “العرب” استطلعت آراء نقاد وكتاب وإعلاميين حول الأعمال الدرامية المصرية لرمضان هذا العام.

 رفض معلن وآخر مستتر لدراما رمضان المصرية لهذا العام، المعلن يتمثل في الرد العاتب والحزين لبعض الآباء والأمهات من تحول الدراما إلى بوابة تدريب على العنف السلوكي واللفظي والإيحائي والخروج عن قيم الاحترام بين أفراد الأسرة، فهناك سباب وشتائم وإيحاءات وقحة ومسيئة للعلاقات الأسرية والعائلية، والمستتر يتمثل في المقاطعة وهو أمر يبرز جليا خاصة في المقاهي التي اكتفت بقنوات كرة القدم وقنوات الأفلام الأجنبية.

وربما ما زاد الأمر نقمة هو برامج التوك شو التي تعمدت الفضائحية في حواراتها كما جرى مع الفنانة سمية الخشاب وحكاية طلاقها من أحمد سعد. يضاف إلى ذلك التدخلات في الموضوع والإخراج والافتعال المكشوف والهش في الأداء التمثيلي الدرامي والكوميدي، الأمر الذي تسبب في مشاكل بين المخرجين والكتاب والممثلين.

موسم دون المستوى

يقول الشاعر والناقد الفني يسري حسان إن دراما رمضان هذا العام جاءت مخيبة لتوقعات المشاهدين والمتابعين عموما، مضيفا “دائما ما كان الشهر الفضيل ساحة للتنافس بين الأعمال الدرامية التي كان المشاهد يلهث وراءها من قناة إلى أخرى. كان حجم الإنتاج كبيرا، ونجوم التمثيل والكتابة والإخراج لهم حضور قوي، باعتبار رمضان هو موسم الدراما المصرية، وكان الواحد منهم يدخر أفضل ما لديه لتقديمه خلال الشهر الكريم الذي تكون نسب المشاهدة فيه على أعلى مستوياتها”.

وتساءل حسان ما الذي حدث هذا العام؟ قائلا “لا أحد يدري، يبدو أن لعنة ما أصابت الدراما المصرية في مقتل، طرحتها أرضا وجعلتها عبرة لمن يعتبر، الكتابة بصفة عامة فقيرة للغاية، خذ عندك مثلًا مسلسل ‘فكرة بمليون جنيه’ الذي يقوم ببطولته علي ربيع ومعه نجمان كبيران هما صابرين وصلاح عبدالله، المفترض أنه مسلسل كوميدي، لكن يا الله على ‘الإفيهات’ التي تصيب بالشلل، كتابة سقيمة ومفتعلة، ولا يعلم صاحبها الفارق بين السخرية أو بين الكوميديا والاستظراف، ما يمارسه الأولاد على فيسبوك أجمل وأعمق وأخف ظلًا بكثير”.

ويتابع حسان “في مسلسلي ‘ولد الغلابة’ و’قابيل’ ظهر ممثل موهوب هو محمد ممدوح، كانت مشكلته في مخارج الحروف، جهازه الصوتي يعاني مشكلة ما، كتب البعض مشيرا إلى ذلك، لكن البعض الآخر لم يكتف برفض هذه الملاحظة المهمة، بل كال الشتائم لأصحابها مؤكدا أن ممدوح أعظم ممثل في الدنيا، هكذا بجرة قلم، ناسيا أن صوت الممثل هو واحد من أهم أدواته، لكنها البلطجة النقدية التي تشبه تمامًا ما أعتبره بلطجة درامية”.

ويخلص حسان قائلا “إجمالًا لا قضايا مهمة تناقشها المسلسلات، ولا موضوعات مبهجة تطرحها الأعمال التي تقدم نفسها باعتبارها كوميدية، أنت كمواطن أهم شرط لارتباطك بالعمل الفني، أن تجد نفسك فيه، أو على الأقل تجد ما يخصك أو ما يشغلك من قضايا، ولأن أغلب الأعمال الدرامية لا تعرف إلى من تتوجه أصلًا فإنها لم تجد استجابة طيبة من المشاهدين، أو ربما تعرف إلى من تتوجه وتعمدت أن تتوجه بهذه الكيفية السقيمة السطحية”.

أغلب الأعمال الدرامية مليئة بالعنف بل وأكثر من ذلك تحثّ عليه، ولا قضايا مهمة تناقشها ولا موضوعات مثيرة

ويقول الكاتب والباحث ياسر ثابت “نحن أمام موسم درامي متوسط المستوى، اتسم بحصر عدد الأعمال التلفزيونية ووضع سقف لأجور النجوم، وكلاهما من الإجراءات المحمودة، لولا أن النتيجة كما شاهدنا ظلت متواضعة. ربما كان السبب في ذلك هو ضعف النصوص المكتوبة، وانتشار ظاهرة ورش الكتابة، التي أفرزت أعمالًا مليئة بالثغرات وتعاني الضعف والرتابة. كما لاحظنا عدم تمكن بعض المخرجين من أدواتهم. ربما من المبكر وضع تقييم نهائي للمسلسلات، وإن كان هناك بعض الأعمال التي فرضت نفسها على الجمهور، وهناك أيضا نجوم استطاعوا لفت الأنظار إليهم عبر أداء جيد لمشاهدهم في تلك الأعمال”.

ويضيف ثابت “محمد ممدوح في مسلسل ‘قابيل’، فتحي عبدالوهاب وحنان مطاوع في مسلسل ‘لمس أكتاف’، إنجي المقدم في ‘ولد الغلابة’، محسن محيي الدين في ‘قمر هادي’، هشام سليم في ‘كلبش 3”. وفي الأدوار الثانية، برز علي الطيب في مسلسل ‘قابيل’، والذي سبق له التألق في مسلسل ‘أهو ده اللي صار’، وأيضـًا الفنان حمزة العيلي الذي يشارك في مسلسل ‘ابن أصول’.

 هؤلاء في تقديري هم الأفضل في دراما رمضان 2019، ودعونا لا نهدر الوقت في الحديث عن الأسوأ، رغم كل الدعاية التي أحاطت بأعمالهم وأسمائهم”. ويشير ثابت إلى جانب إيجابي في مسلسل “قابيل” إخراجا وتصويرًا، على الرغم من أن بعض الأحداث جاءت بشكل وتفكير غربيين لا ينطبق على الواقع المحلي في كثير من الأحيان. لافتا إلى انتشار فكرة وجود ضيوف الشرف في الدراما التلفزيونية في مشهد أو حلقة واحدة، وبعضها أصبح “تريند” على مواقع التواصل الاجتماعي، كما حدث في المشهد الذي قدمه تامر حسني مع أحمد السقا في مسلسل “ولد الغلابة”.

الباحثة والكاتبة داليا عاصم تعتبر الدراما الرمضانية هذا العام في أسوأ مواسمها، وتقول “مستوى الأعمال لم ينجح في جذب الجمهور وذلك لعدة أسباب، أهمها: ضعف الخطوط الدرامية في الكثير من الأعمال فلا حبكة منطقية تقنع المشاهد المصري الذي نشأ على دراما من العيار الثقيل، فضلا عن تكرار القصص وفقر السيناريو والحوار وعدم ترابطه. وهذا كله ملحوظ بوضوح في مسلسل ‘زلزال’ لمحمد رمضان الذي لم يبذل جهدا ليقنعنا بأنه محمد حربي كرامة بطل العمل، فلا فارق في أدائه لشخصية ‘حبيشة’ أو ‘الأسطورة’ فهو يعتمد على جماهيريته”.

وتؤكد عاصم أن هناك استخفافا كبيرا من قبل الممثلين بالمشاهد وبمسؤوليتهم الفنية فلا دراسة للشخصية التي يقدمونها ولا اندماج فيها بل تشعر أن بعضهم يقوم بسرد الحوار المكتوب لينهي المشهد، وهذا ما لمسناه في مسلسل “حكايتي” لياسمين صبري، كذلك وجدنا تناسخا في تكثيف جرعة الميلودراما في جميع الأعمال ومشاهد الموت والقتل أصبحت أساسية، والهدف هو بث صور هذه المشاهد على السوشيال ميديا للترويج للمسلسل.

 والمضحك أن أكثر من مسلسل يدور في فترة التسعينات باعتبار أن اللعب على وتر النوستالجيا سينجح العمل. ومن جانب آخر لم يبذل صناع الدراما جهدا للتميز في اختيار شارة المسلسل “التتر” أو حتى الموسيقى التصويرية التي قد تخلد العمل الدرامي وتجعله أيقونة كما عهدنا في أعمال المخرج إسماعيل عبدالحافظ وأسامة أنور عكاشه مثلا..

الحثّ على العنف

المسلسلات الكوميدية  اعتمدت على التكرار
المسلسلات الكوميدية اعتمدت على التكرار 

تؤكد الكاتبة الصحافية دعاء برعي أنه بعد متابعة بعض الأعمال الدرامية لم تجد أي جديد، لما تنقله هذه الأعمال للمشاهد من عنف وإجرام وانحراف سلوكي، ربما اعتقادا منها أن ذلك له القدرة على إحداث الإثارة والتشويق وشد المشاهد لمتابعتها، لكنها وبعد عرض قرابة الـ15 حلقة لهذه الأعمال لم ترتبط بمسلسل منها،

 تقر برعي أن مسلسل “ولد الغلابة” تدور أحداثه حول الترتيب والتجهيز لقتل “ضاحي، ود.عزت” والتفنن في ارتكاب الجريمة، والتركيز على أن تجارة المخدرات من شأنها أن تجعل من صاحبها ثريا وصاحب نفوذ، كذلك مسلسل “زي الشمس” الذي تدور أحداثه حول قتل “فريدة” وقاتلها وعلاقاتها المشبوهة، أيضا مسلسل “حكايتي” التي تدور أحداثه حول تناحر الأشقاء على الإرث الذي ينتهي بهم إلى القتل والثأر من”داليدا” وهروبها من القاتل طوال حلقات المسلسل، ناهيك عن الظلم والقهر واستغلال النفوذ في أحداث مسلسل “زلزال”، كما يبحث مسلسل “قابيل” في الاضطراب النفسي وقضايا القتل المستمرة، ولا يختلف “لمس أكتاف” كثيرًا من حيث العصابات التي تخطف وتقتل، كل هذه الأعمال تمثل السواد الأعظم من دراما هذا العام.

وتضيف برعي “أنه من المبالغ فيه وغير المنطقي أو المبرر في كل الأعمال الدرامية السابق ذكرها انفراد كل نجم ببطولة مطلقة في عمل بمعزل عن نجوم المسلسلات الأخرى، أو ظهوره في أكثر من عمل دون تركيز في اختيار أدوار مناسبة، وبالتالي لم نعد كأسرة نلتف حول كوكبة من نجوم الفن تشارك جميعها في بطولة عمل واحد ضخم يفيد المجتمع ويبرز إيجابياته في المقام الأول كما كان في السابق، فبدا المشهد الدرامي الرمضاني هذا العام مشرذما بلا تناغم”.

وعلّق الروائي والمؤرخ محمد غنيمة قائلا “بحثت هذا العام في الدراما الرمضانية عن المسلسلات التاريخية أو الدينية أو دراما الأطفال فلم أجدها، وهذا بالإضافة إلى افتقادي الشديد لنجمي الدراما يحيى الفخراني وعادل إمام. وبالطبع لم أستطع متابعة كامل أعمال رمضان، ولكنني تابعت مجموعة من المسلسلات مثل ‘هوجان، قابيل، ولد الغلابة، ولمس أكتاف، وسوبر ميرو، بدل الحدوتة تلاتة’، وأستطيع أن أقول إن السمة الغالبة على الدراما هذا العام تتلخص في أن معظم الأحداث لا تخلو من العنف بل وأكثر من ذلك هو الحث عليه بشكل يثير القلق، حتى أن المسلسلات الكوميدية أيضا تكتظ بهذه المشاهد. لكنني يجب أن أسجل إعجابي بشكل كبير ببعض الممثلين لما يقدمونه من أداء يستحق الإطراء مثل محمد ممدوح وكريم محمود عبدالعزيز وفتحي عبدالوهاب”.

التطرف والابتذال

يرى الكاتب سامح فايز أن الدراما العربية بشكل عام تستمر في رمضان الحالي في رصد وتتبع حركات التطرف الديني، لكن ليس بنفس قوة الأعوام الماضية، ربما بضعة مسلسلات تلك التي تحدثت بشكل مباشر عن الإرهاب الديني مثل مسلسل “كلبش” و“السهام المارقة”، وهناك مسلسلات أخرى كان الحديث عن الجماعات الإرهابية خطا دراميا فيها مثل “لآخر نفس” و“العاصوف” أو مسلسل “بركة”، لكن بشكل كبير تنوعت الأعمال الدرامية في رمضان الحالي بين الكوميدي والتراجيدي والأكشن على عكس السنوات الثلاث الأخيرة التي سيطرت فيها بشكل كبير مسلسلات تناولت الأحداث التي ضربت مصر والمنطقة العربية عقب أحداث الربيع العربي.

 ورغم ذلك التنوع هناك تراجع ملحوظ في جودة الأعمال الدرامية المقدمة على عكس السنوات السابقة، ذلك التراجع شمل عدة مستويات، سواء لضعف السيناريو أو الإخراج أو أداء الفنان، أو ربما لتدخلات من المخرج أو الممثل في السيناريو أضعفت العمل، مثل ما حدث في مسلسل “زلزال” بعد أن أصدر السيناريست عبدالرحيم كمال بيانا شرح فيه كيف أن هناك تدخلات من المخرج أفسدت السيناريو الأصلي الذي قدمه”.

وتركز الإعلامية نهلة الفضالي على المسلسلات الكوميدية مؤكدة أنها اعتمدت على التكرار والإفيهات المفتعلة مثل مسلسل “بدل الحدوتة” لدنيا سمير غانم، الذي يقوم على ثلاث حكايات كل حكاية تعتمد فيها على شخصية سبق للفنانة أن قدمتها حيث تستهلك نفس الأداء، وعلى نفس السياق مسلسل “فكرة بمليون جنيه” لعلي ربيع، وهو للأسف يستخدم إفيهات وإيحاءات مبتذلة ووقحة إلى حد بعيد، وكلا المسلسلين بلا كوميديا.

وتشير الفضالي إلى أن الممثلين من أبطال مسرح مصر قدم كل واحد منهم مسلسلا يعتمد فيه على القفشات والإفيهات دون وجود فكرة أو موضوع قادر على خلق مواقف كوميدية أو إضحاك حقيقي، بل تشعر أنها مجموعة من الإفيهات المتراصة إلى جوار بعضها البعض دون أن تقدم معنى سوى الابتذال والاستخفاف بعقل المشاهد. وهذا ينطبق أيضا على مسلسل “الزوجة الـ18” لحسن الرداد، وكذلك “ابن أصول” لحمادة هلال وهو إعادة إنتاج لفكرة مسلسل الحاج متولي، فكرة الرجل الذي تتنافس عليه كم امرأة.

15