كتاب وشعراء ومفكرون يستقبلون بالأسئلة سنة أخرى مشتعلة

لم ينقطع الجدل في العالم العربي منذ أن هبّت نسائم الربيع العربي من تونس، حول أهمية الحديث عن الثقافي والسياسي وعملية النهوض الديمقراطي في هذه المجتمعات. ويجمع عدد من الأدباء والكتاب والمثقفين العرب على أن ما تشهده بلدانهم اليوم ساهم في إبعاد المثقف وتهميشه وإقصائه عن صناعة القرار والتخطيط لمستقبل أوطانهم وتنميتها، ما جعل الثقافة العربية بالعراء بعد أن تخلّت الدولة والمؤسسة الثقافية الرسمية عنها بحجج نابعة من رؤى إقصائية. وخلال السنوات الخمس الماضية عرف المشهد الثقافي العربي تراجعا لا يمكن إخفاؤه، ما ساهم في عزلة المثقف قسرا أحيانا وطواعية في أحيان أخرى. "العرب" وفي سلسلة استطلاعاتها الثقافية التي تنجزها نهاية العام 2015 تحدثت مع عدد من المبدعين في مجالات مختلفة لمعرفة ملامح المشهد الثقافي محليا وعربيا وعالميا هذا العام لمعرفة ما الذي أنجزته الثقافة العربية وبدا بارزا ومهما هذا العام مما هو منتظر منها؟ وما الذي قصرت هذه الثقافة عن إنجازه؟ وهل برزت محاولات مراجعة، إعادة نظر مثلا في وعي الثقافة العربية لذاتها بعد خمس سنوات من الربيع الدامي؟
الأحد 2016/01/03
لوحة: بهرام حاجو

المطلوب التغيير وليس التفسير

أحمد الخميسي: كاتب من مصر

من الصعوبة بمكان إصدار حكم على ما إن كانت الثقافة العربية إجمالًا عبّرت أو لم تعبّر عن التقلبات السياسية والاجتماعية في بلداننا، فالمشهد الثقافي العربي ليس مرئيًا في اكتماله بسبب غياب التنسيق بين الأجهزة الثقافية العربية واضطراب التواصل المنتظم بين المثقفين العرب. لكن من المؤكد بشكل عام أن أوطاننا ليست عقيمة وأن ثمّة كتابًا ومثقفين هنا وهناك يحفرون في الصخر للتعبير عن جوهر ما يجري. لا بد أن هناك محاولات ما في مكان ما تنبعث من ضمائر حية، المشكلة أن تلك الأعمال -التي نفترض وجودها- ليست مؤثرة، ولا تمثل تيارًا قويًا قادرًا على بلورة وعي الجماهير في اتجاه واضح.

لقد سقطت المنطقة من ناحية بين سكاكين المخطط الخارجي لتقسيم وتفتيت وهدم الدول العربية، ومن ناحية أخرى بين طبيعة نظم حاكمة لا تستطيع رد الهجمة الاستعمارية لا على المستوى الاقتصادي ولا السياسي ولا الثقافي بالطبع.

وخلال تلك الأزمة التاريخية الطاحنة يميل معظم المثقفين لتفسير ما يجري وليس لتغيير ما يحيط بنا، ويكاد يختفي لدينا ما يسمى “المثقف العضوي” أو سابقًا “المثقف الملتزم” أو “الثوري” تحت ركام عمليات التمويل الأجنبية للمراكز الثقافية التي نجحت في شراء عقول ومواقف عدد ضخم من المثقفين.

ومع خطورة التعميم إلا أن بوسعي القول إنه ما من عمل نظري، فكري، أو أدبي، لافت، بحيث يمكن القول إن الثقافة العربية عبّرت عن أوضاعنا بآلام المخاض وآمال الولادة.

وأظن أن هناك جملة أسباب أفضت إلى ذلك العجز عن التعبير في مقدمتها غياب الرؤية واضطرابها، بل وسقوط الأدب في فخ الشكلانية والذاتية وانفصاله منذ زمن عن قضايا المجتمع.

وباعتقادي المشروع الثقافي الوحيد الذي أعدّه غاية في الأهمية والكفيل بإحداث طفرة نوعية في الثقافة هو محو الأمية على مستوى العالم العربي. عندما كتب طه حسين كتابه “الثقافة المصرية” قال بالنص “إن التعليم مستقر الثقافة” أي أنه يستحيل الحديث عن أيّ ثقافة في ظل الأمية، إلا إن كنا نتكلم عن ثقافة نخبة صغيرة تتداول أعمالها فيما بينها، أما إذا قصدنا الثقافة بمعناها الواسع فنحن نتحدث عن محو الأمية.

العام الماضي بلغت نسبة الأمية في الوطن العربي حوالي عشرين بالمئة من إجمالي السكان، وبلغ عدد الأميين نحو مئة مليون نسمة، أي ثلث الأمة العربية. وإن كان ثلث الشعب لا يستطيع القراءة ولا الكتابة بالمعنى الحرفي فعن أيّ ثقافة يدور الحديث؟

إذا أردنا أن يكون لنا مشروع ثقافي فلا بد من محو الأمية، ونشر التعليم، وإنشاء القنوات التلفزيونية العلمية والتعليمية، لدينا راقصة في مصر استطاعت فتح قناة تلفزيونية لحسابها، بينما لا تستطيع الدولة أن تنشئ قناة لتبسط العلوم. في مثل هذه الحالة من الأمية لا بد أن تسود الخرافات، والضلالات، وتحريم الفن، وتجريم الشعر، واعتقال الأدباء، والتنكيل بهم. علينا أن نتعلم القراءة والكتابة لكي نسأل: ماذا نقرأ؟ وماذا نكتب؟

الإبداع ليس مجرد مراكمة، بل إضافة. وشتّان بين المراكمة وبين الإضافة. فالمراكمة تستلقي على الأرض، والإضافة تأخذ لها مكاناً ثابتاً في قلب البُنية ذات الدلالة. فما الذي أُضيفَ في العام الحالي، وما الذي كان مجرّد مراكمة؟

مشكلة المترجمين ومؤسسات الترجمة

أحمد يماني: شاعر ومترجم من مصر مقيم في مدريد

إن حال الترجمة عمومًا قد تحسن تحسنًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية حيث نجد مؤسسات عربية في عدة عواصم عربية تعنى بترجمة الأعمال الفكرية والأدبية والعلمية. هذا التحسّن يتبدى في زيادة عدد العناوين المترجمة إلى العربية وإن ظل العدد إلى الآن بعيدًا عن المأمول في لغة من أهم لغات البشرية ألا وهي العربية مقارنة بما يترجم في لغات أخرى أصغر.

أعتقد أن المشكل الأساسي يتمثل في التعامل مع مترجمين على درجة كبيرة من الاحترافية ومن ثمّة فإن إعداد المترجم هو حجر الأساس في المسألة برمتها. الملاحظ أن أغلب المترجمين، حتى وإن كانوا تخرجوا في كليات للترجمة، في حاجة إلى إعداد من نوع آخر بهدف تمّثل اللغات التي يترجم عنها، هذا التمثل هو تمّثل ثقافي بالأساس وليس فقط لغويًا، فغنيّ عن القول إن اللغة هي ابنة حضارتها وثقافتها وعلى هذا فإنه لا بد من وجود مؤسسات تعنى فقط بإعداد المترجم ونقله إلى البيئة الحاضنة للغة التي يترجم عنها، بعد ذلك لا بد من إيجاد صيغة كي يتمكّن المترجم من التفرغ لعمله، فالمعروف أن معظم المترجمين يشتغلون في أعمال أخرى كي يوفروا لقمة عيشهم. إضافة إلى أننا بحاجة إلى توسيع رقعة اللغات التي ننقل عنها وهذا يتطلب عملا أكبر يجب أن تقوم به جامعات ومعاهد عليا وخلافه.

وإذا كان الغرب قد أقام نهضته على الترجمة وإذا كنا نحن قد دخلنا العصور الحديثة بفضل الترجمة فلا بد أن يكون للمترجم لدينا قيمة أكبر من قيمته الحالية والجوائز بالطبع تساهم في تشجيع المترجم وعمله وإن كانت قليلة إلى الآن في العالم العربي وأعتقد أنها لا بد أن تكون جوائز متخصصة.

أما عن ترجمة الأدب العربي إلى لغات أخرى فيمكنني أن أتحدث عن الوضع في أسبانيا حيث أعيش وحيث معظم الترجمات هي مجهودات فردية لمستعربين ومستعربات وتأتي بعد ذلك مشكلة النشر حيث لا تهتم معظم دور النشر الهامة بطبع النتاج الأدبي العربي إلا فيما ندر. حلّ هذه الأمور يمكن أن يتم عبر إنشاء مؤسسات عربية لترجمة الأدب العربي إلى لغات أجنبية على غرار ما يحدث في مؤسسات الترجمة إلى العربية، تقوم هذه المؤسسات بتمويل العملية كاملة من دفع أجور المترجمين ومن نشر الكتب ومن الترويج للأعمال المترجمة حتى نخرج من تلك الصورة النمطية التي يرى بها الآخرون آدابنا كنوع من التلصص على مجتمعاتنا وليس أدبًا في حد ذاته، كما يحدث مع باقي آداب العالم الكبيرة.

العام الذي انقضى!

أحمد سعيد نجم: كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

لا بأس بأن يضع المرء في زاوية الزاوية التي يكتبها عن العام المنصرم صورةً تُذكَّرًه بأنه لم يعد شابّاً، وحقّ له، على هذا، أن يستعير، بحياء، قول الكاتب العظيم غوته في وصف السنوات الأولى من القرن التاسع عشر “أشكُرُ الله، بأنني لست شابّاً في مثل هذا العالم المضطرب، والذي انتهى كل شيء فيه إلى الخراب”.

واحزر ماذا. إننا، أيضاً، بلا مكان، وما من خيوطٍ تشدُّنا إلى أرضٍ بعينها، حتى لو كانت شبراً من تراب، وهو الأمر الذي يعني، أيضاً، أننا قد بتنا خارج الزمان، في عالمٍ حوّلَه الإرهابُ والتكفيرُ، بشتّى صورهما، إلى ثُقبَ إبرة. وانفُذ منه إن استطعت. ولن تستطيع.

وما تطرحُه الأسئلة، وما تطمحُ له من إجابات أوسع بكثير من حالة العزلة التي نعيشها. فهي تفترض وضعاً نكون فيه جالسين في مكاتبنا، نتابع، من خلفها، كلَّ جديدٍ في عالم الابداع كي نُبشِّر به أو نهجوه. وهذه رفاهيةٌ لا تمنحنا إياها أيامُنا الراهنة. ولن يمنحنا إياها مستقبلنا الذي بات معدوداً على أصابع اليد الواحدة، أو الاثنتين بالكثير، هذا إن لم يتوقف فجأةً، وعلى نحوٍ لا حول لنا فيه ولا قوّة!

فالأيام التي قرأنا عنها، وكنا قد حسبنا أنها باتت برسم الماضي، قد أصبحت حاضراً، وأيُّ حاضرٍ. حاضرٌ بات حصولُ الواحد منّا، فيه، على سريرٍ خاصٍّ، أو وجبة طعام، أو ثياب عيدا، أو حتى الحصول على قبرٍ، يتطلّبُ أن تخاطر، أنت وعائلُتك، أي أغلى ما تملك، بركوب أعالي البحار، كي تعيش، هذا إن استطعت أن تصل، في بلادٍ قد تكون لأولادك، أو قد لا تكون، ولكنَّ المهمّ أنها، لن تكون لك أبداً!

على أنني، ومن حيث المبدأ، لم أكن طوال سنيّ عمري، ممّن يركضون بشغف، هنا وهناك، لملاحقة كلّ جديد. فالإعجاب الذي يأخذ شكل إجماع كبير، قد يثير ارتيابي، مع احترامي الشديد لكل إبداع أياً كان حقلُه.

ولقد حاولتُ هذا الصيف أن أتابع ما استجدّ من روايات عربية، عبر قراءة رواية “الطلياني”، فوجدتُ أنني قد أضعتُ يومين متتاليين، كان يمكن أن أفعل فيهما شيئاً أكثر نفعاً!

ثم إنّ الإحاطة بكلِّ ما هنالك، أمرٌ خارجٌ عن طاقتنا، وطاقة الوضع الذي وضعتنا الأحداث فيه. ومتابعة كل جديد هي، كما أرى، من شأن الصحف ووكالات الأنباء. والأهم، من ذلك كله، أن نستطيع، كمبدعين، أن نمسك بروح العصر، الذي تصادف أن وجِدْنا فيه، وأن نكون أبناء نجباء له، فعلاً وليس قولاً.

ومتى استطعنا ذلك، فسنقبض تلقائيّاً على روح الجِدّة والحداثة، وعلى إمكانية إنتاجهما، حتى لو أدّت بنا عزلتنا لأن نرتبك أمام سؤال بسيط، كأن يُطَلبُ منّا، مثلاً، أن نُعدّد أفضل الروايات العربية الصادرة عام 2015. فطزاجة أيّ إبداع، وجِدّته، لا تتأتيان فقط، من أن يكون العملُ قد خرج لتوِّه من المطبعة، بل من الكيفية التي صيغ بها ذلك العملُ، وكيف استفاد من الإرث الذي سبقه، وأين هي المواضع التي حاول فيها أن يكون جديداً، وما الذي جعله يتفوّق على نفسه وعلى الآخرين.

ولا ينبغي أن يكون إلحاح متابعة كل ما يصدر نابعاً من الرغبة في التعلّم. فإنْ كان التعلُّم هو المطلوب من أيِّ قراءة، فإنَّ رواية مثل “الصخب والعنف” تعلّمنا عن فنّ الرواية أكثر بكثير من أيّ عمل روائي جديد، عربياً كان أم عالميّاً.

فالإبداع ليس مجرد مراكمة، بل إضافة. وشتّان بين المراكمة وبين الإضافة. فالمراكمة تستلقي على الأرض، والإضافة تأخذ لها مكاناً ثابتاً في قلب البُنية ذات الدلالة. فما الذي أُضيفَ في العام الحالي، وما الذي كان مجرّد مراكمة؟

إنه سؤال صعبٌ. بل صعبٌ جدّاً. سؤالٌ قد يكون بمقدور النقاد الإجابة عنه. أو ربما تتسارع الأحداث فتقوم بترحيلنا نحن وأسئلتنا إلى الأجيال القادمة. أما نحن، الآن وهنا، فمن الأفضل لنا إنْ أردنا أن نأكل ثماراً وفُستًقاً أن “نزرع حديقتنا”، على حدِّ تعبير العظيم فولتير في ختام روايته المسمّاة ” كانديد”.

أيام برسم الماضي

أتابع شعراء معينين

مريم شريف: شاعرة من الأردن

للأسف، لم أتابع ما صدر هذا العام من دواوين شعرية، بمعنى آخر لا أتابع الإصدارات، ولكن أتابع شعراء معينين وأقرأ لهم، ما قرأته في العام 2015 ولفت نظري ديوان “ربع قرن من النظر” للشاعرة المغربية سكينة حبيب الله.

وبما أن المغرب قـد حضر هنا، فلا بدّ مـن أن أذكـر الشاعـرين عبـدالرحيـم الصايل وسعيـد البـاز، لـم أقـرأ لهمـا مجموعات شعرية ولكن أتابـع مـا ينشرانـه على الفيسبـوك، وهمـا من الأسماء القوية في 2015 وقبلها.

وأرشح الشاعر الأردني عبدالله أبوبكر، الذي حصل على جوائز عدّة آخرها جائزة بلند الحيدري للشعراء الشباب في المغرب، ليكون شخصية العام الثقافية. وبرأيي فإن الجوائز تقـدم للشـاعر اهتماما إعلاميّا لا أكثر.

مشروعات الترجمة

أحمد صلاح الدين: كاتب ومترجم من مصر

أشعر بالسعادة لصدور ترجمة الدكتور أنور إبراهيم “مذكرات زوجة دوستويفسكي” عن “المركز القومي للترجمة”، وهو كتاب عظيم القيمة يكشف عن الكثير من الأسرار في حياة هذا الكاتب العظيم. كما كان إصدار “وثيقة الترجمة” من خلال جريدة “أخبار الأدب” حدثًا هامًا لأنها احتوت على علاج لمشاكل هامة تعاني منها الترجمة على مدار سنوات طوال.

لقد أحدثت مشروعات الترجمة كـ“المركز القومي للترجمة” و“سلسلة الجوائز” في مصر، و“مشروع كلمة” في الإمارات، إضافة إلى مشروعات الترجمة التي تبناها “المجلس الوطني للثقافة والفنون الآداب” في الكويت، والمنظمة العربية للترجمة في بيروت، نقلة نوعية حقيقية في مجال الترجمة على مدار سنوات وجودها، وأضافت للمكتبة العربية العديد والعديد من الكتب الهامة التي وسّعت من مساحة المعرفة المتاحة للقارئ العادي والمتخصص على السواء. طبعًا بالإضافة إلى الجهود المتميزة للمنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة (الألكسو) في هذا الصدد.

وللأسف ليس لديه إحصائيات كافية عن عدد الكتب الصادرة هذا العام، وهذه من المشكلات الحقيقية التي تواجه الباحثين في محاولتهم لمعرفة الأرقام الدقيقة للإصدارات أو حتى العناوين، وهو ما يحدث مشكلة كبيرة نظرًا لتكرار ترجمة بعض الكتب أحيانًا، حتى في البلد الواحد. لكن من الطبيعي أن تؤثر الظروف السياسية والاقتصادية التي مرت بها المنطقة في السنوات الأخيرة على مجهودات الترجمة. لكنّي ألاحظ اهتمامًا متزايدًا بالترجمة من قبل دور النشر الخاصة وهو من الأشياء الإيجابية التي أتمنّى أن تستمر. أما على المستوى الرسمي، فهناك حالة اهتمام حقيقية بالترجمة، وهنا بالطبع لدى الجهات الرسمية ميزة أنها غير هادفة للربح بالأساس، وهي نقطة تتفوق فيها الجهات الرسمية في مقابل دور النشر الخاصة.

أما عن حال المترجمين فيما يتّصل بحجم مكافآت جهودهم وتثمينها، فهذه مشكلة حقيقية، وإن كان الوضع في التعامل مع بعض الجهات الرسمية أفضل، نظرًا لالتزامهم بدفع مستحقات المترجم، ووضع أسعار إلى حدّ ما مناسبة لجهود المترجم. المشكلة الحقيقية مع الجهات الرسمية تتمثل في تأخر المستحقات، وتأجيلها لحين الانتهاء من العمل.

أما من ناحية دور النشر الخاصة، فليس هناك قواعد محددة للتعامل مع المترجم، وإن كان هناك البعض من دور النشر التي تتعامل باحترام وتقدير لجهود المترجم، فهناك البعض من دور النشر التي تستولي على حقوق المترجمين، أو تبخسهم حقهم تمامًا. وهذا يتطلب وضع ضوابط صارمة حتى لا تضيع الحقوق، وحتى نشجع المزيد من خرّيجي أقسام اللغات على العمل في المجال.

وفيما يتعلق بالجوائز الثقافية الخاصة في مجال الترجمة، فالحقيقة أنا أؤمن أن الأديب والمترجم يعمل بهذا المجال لأنه يحبه، والمبدع الحقيقي لا يشغل باله بالجوائز، الجائزة كلمة شكر لمبدع يقدم فنًا راقيًا، نقدمها له تقديرًا على جهوده وكوسيلة لمساعدته في بعض الأحيان على استكمال مشروعه.

من ناحية أخرى، تساعد الجوائز على توسيع دائرة تواجد أيّ مبدع في مجاله ومشاركته في الفعاليات الاقليمية والدولية.

فيما يتعلق بالجوائز الثقافية الخاصة في مجال الترجمة، فالحقيقة أنا أؤمن أن الأديب والمترجم يعمل بهذا المجال لأنه يحبه، والمبدع الحقيقي لا يشغل باله بالجوائز، الجائزة كلمة شكر لمبدع يقدم فنًا راقيًا، نقدمها له تقديرًا على جهوده وكوسيلة لمساعدته في بعض الأحيان على استكمال مشروعه

وجوه جديدة في المشهد الثقافي

خالد بريش: كاتب من الأردن

يعتبر البعض الفترة التي تمر بها أمتنا العربية منذ خمس سنوات أي منذ بداية الربيع العربي وإلى يومنا هذا هي الأدق في تاريخها منذ مرحلة الاستعمار لكونها تشكل بداية لمرحلة جديدة قد تكون دولة المواطنة المدنية القائمة على الديمقراطية والعدالة والمساواة إحدى ثمارها.

تعاني الساحة الثقافية بشكل عام من اضطراب إما بسبب عدم قدرة الكثير من المثقفين على التموضع واتخاذ موقف واضح وصريح من هذه الثورات التي كان من المفروض أن يكونوا في طليعتها وذلك لأسباب كثيرة بعضها مادي وآخر له علاقة ببنية المثقف العربي وتكوينه حيث ابتعد عن مفاهيم النضال الاجتماعي والسياسي بسبب طبيعة مرحلة ما بعد الكامب ديفيدية التي قلبت موازين طبيعة المفاهيم النضالية وأشكالها في عالمنا العربي وأيضا بسبب الخوف من ارتدادات ذلك عليه وعلى نتاجاته فتقوقع قسم منهم على أنفسهم واتخذ آخرون مكانا إلى جانب الساسة يدافعون عنهم بشراسة مما أحدث شرخا حال بين تكيفهم مع ثورات الربيع العربي الخلاقة مما لم يؤهلهم بالتالي للقيام بعملية نقد فكري وسياسي واجتماعي من الممكن البناء عليها فتشكل جسرا تعبره شرائح المجتمع نحو المستقبل. بل غرقوا في دوامة كيل المديح للأنظمة وتكرار طروحات قديمة تخطاها حتى البسطاء.

وفي اعتقادي أن تقاعس كبار الكتاب والشعراء عن اتخاذ مكان لهم على الساحة النضالية فسح المجال لظهور وجوه جديدة تعبر عن المرحلة وتؤكد أن مجتمعاتنا نبع لا ينضب فظهر جيل جديد من الشعراء تزيدهم بكتاباتهم منصات وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة في الوقت الذي يعود فيه ديوان الشاعر الفلسطيني أشرف فياض “التعليمات في الداخل” الصادر في عام 2008 ليفرض نفسه على الساحة الأدبية من جديد بسبب المأساة العبثية التي سببها له هذا الديوان وصدور حكم بالإعدام بحقه… دون أن ننسى غزارة الإنتاج في ما يمكن تسميته بأدب السجون والتعذيب في “منتجعات العروبة” و”قصور ضيافتها”.

ومن إشراقات هذه المرحلة ظهور أغنية ثورية هادفة على امتداد الساحة العربية بعدما ظن كثيرون أنها ماتت مع الثنائي الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم.

أو أنها شاخت واتجهت نحو الكلاسيكية وغدت خاصة بالنخب كنتاجات مارسيل خليفة الأخيرة. وظهرت وجوه كثيرة منها الفنان المصري مصطفى سعيد الذي شكل مع الشاعر تميم البرغوثي ثنائيا لا يمكن تجاهله، وكذلك فرقة “سندريلا” التي أدت كلام كبار الشعراء كصلاح جاهين وأمين حداد وغيرهما.

وأطلت علينا أيضا موسيقى الراب المتوافقة مع مزاج الجيل الجديد فعبر من خلالها عن آماله وأحلامه وثورته فأبدعت فرقة “الإكستريم تيم” في مخيم اليرموك و”الجنرال” في تونس.

وتبقى الرواية والقصة القصيرة الأكثر محاكاة لنبض المجتمع وحركته فظهرت إبداعات وأعمال كثيرة منها رواية “الموريسكي الأخير” للكاتب صبحي موسى التي تتحدث عن سقوط الأندلس بعيدا عن البكائيات فيغمز فيها الكاتب في كل سطر وفقرة إلى وضع أمتنا وواقعها حاليا… وكذلك رواية “بولاق أبوالعلا” للكاتب فتحي سليمان والتي تأتي في وقت تعيد فيه مصر بشكل أو بآخر النظر في تاريخها وعروبتها فتُقلب الرواية صفحات مصر أيام ثورة يوليو النـاصرية وإنجازاتهـا ومشـروعهـا العـروبي.

وفي ما يخص السينما فهناك نتاجات كثيرة ومواهب واعدة على امتداد البلاد العربية استطاعت تثبيت أقدامها وجذب أنظار العالم إليها وتسلق سُلم المجد، فكان آخر هؤلاء المخرج المصري محمود سليمان حيث حاز مؤخرا على جائزة أفضل فيلم روائي في “مهرجان دبي السينمائي” في دورته الـ12 عن فيلمه “لم نكن أطفالا”، والذي حاز أيضا على جائزة أفضل مخرج.

بينما بقي المسرح يعاني من شح من ناحية النصوص التي كتبت أو من ناحية العروض تاركا الساحة للمسلسلات التلفزيونية ذات المستوى الهابط نصا وإخراجا وحبكة.

القصة القصيرة الأكثر محاكاة لنبض المجتمع

بحثا عن تنوير بلا أيديولوجيا

زياد أبولبن: قاص وناقد -رئيس رابطة الكتاب الأردنيين

بات واضحا للجميع أن حجم الانتفاضات العربية وتغيراتها واختلافاتها كبير جدا، بل ملتبس حدّ الغموض، مما جعل الثقافة العربية في حالة تخبط في التعبير عن الأحداث، وفي دراسة ما يحدث من ظواهر تحت شعارات ملتبسة ومضللة من جانب آخر، وكل أدوات التعبير في الثقافة العربية من شعر وسرديات نثرية ودراسات تاريخية وتنظيرات فكرية قصّرت في تناول الأحداث، طبعا هذا الرأي في حدود معرفتي ومطالعاتي مما يُنتج في الوطن العربي، سواء على مستوى نشر الكتب أو إقامة الندوات والفعاليات والمؤتمرات والحوارات الصحفية والإعلامية، وأظن أنني متابع جيّد ومشغول بالأحداث وتطوراتها في الوطن العربي، أعتقد في ما بعد أي في السنوات القليلة القادمة تتبلور الأحداث بشكل أوضح، وعندها تنضج الأفكار والرؤى وتتعمق أكثر، فعندها تنهض الثقافة العربية من تحت رماد الحالة الملتبسة، وكل هذا لا يتأتى إلا من خلال مؤسسات وهيئات ومراكز بحوث ودراسات تشغل المثقف العربي في قضاياه المصيرية.

وإن أيّ حديث عن مشروع ثقافي عربي مهم ومؤثر لا بد أن يرتبط بحركة التنوير، التي لا تخضع لأيديولوجيات جاهزة أو مقولبة، أو أفكار تستمد قوتها من عالم الغيب، أو تنظيرات تستقي ماءها من أيديولوجيات غربية لا تصلح لبيئتنا العربية، فعلينا أن نعود للتراث الذي يحمل في طياته أفكارا تنويرية فعلا تحتكم للعقل، وأن نبني عليها مشروعنا الثقافي العربي النهضوي، ونستفيد من التجارب الغربية، أو التجارب الأخرى، حتى لا يفهم أنني أشير للتجارب الأوروبية والأميركية، بل هناك تجارب ناضجة ومتقدمة لأمم عالمية أخرى، فنحن العرب في سباق مع الزمن، لكي ننهض بمشروعنا المؤثر في الثقافات العالمية، والمشارك لها في رسم سياسات ثقافية عالمية.

البهرجات تصادر الثقافة

هشام البستاني: قاص من الأردن

تستمر الثقافة العربية في تراجعها بتأثير عوامل عدة، أهمها إعادة إنتاج دور السلطة في التأثير على الثقافة وإغوائها وتحريف اتجاهاتها النقدية العميقة من خلال آليات جديدة هي آليات السوق والنجومية والانتشار، والجوائز المالية الضخمة والبهرجات الإعلامية الكبرى الملحقة بها وحجم الشخصنة والعلاقات العامة والتحفظات السياسية التي تتحكم في الخيارات الفائزة، وبعضها لا يحمل قيمة فنية تذكر. أحد العلامات الأساسية للميل التسليعي للأدب هو الاحتفاء بالرواية باعتبارها أهم الأجناس الأدبية، وتخصيص الجوائز المالية والندوات الكبرى لها، وبالتالي سحب كل المشهد النقدي والكتابي نحوها، لا لشيء إلا لأنها النسق الكتابي الأسهل على التلقي، والأكثر طواعية ليكون سلعة واسعة الانتشار، فقارئها (نظرا لطبيعة الرواية الأفقية وبنائها للأحداث والشخصيات على مهل وعلى امتداد صفحات كثيرة، وبكل التفصيلات، وغالبا بخط زمني/ مصائري واحد) لا يحتاج إلى إتعاب نفسه في الاشتباك مع النص أو الخوض في أعماقه أو زواياه المتعددة والمسكوت عنها كما هو الحال في القصة والشعر.

قد تكون جائزة الملتقى للقصة القصيرة التي أعلن عن تأسيسها قبل أيام في الكويت إضافة نوعية إلى المشهد الثقافي العربي، ولكن لا أدري إن كانت ستتمكن من تجاوز بقية الاختلالات التي تنغل جسم الثقافة العربية وتحوّله إلى مجرّد جسد تابع لردّ فعلي غير قادر على اجتراح الفعل، وأتمنى أن يحصّن القائمون على هذه الجائزة الجديدة منجزهم هذا ضد العلاقات الشخصية، والمحاصصة الجغرافية، والتحيّز الجنسي، ونزوات “الشخصيات” المؤثرة: وهي طاعون المشهد الثقافي العربي وسبب خرابه.

على الصعيد الفكري، انشغلت مجمل الكتابات بالتصدي الدعائي لما يسمى “التطرّف الديني”، وكأن هذا الأخير ظاهرة سقطت من الفضاء، وليست امتدادا للنهب والتفكيك الاستعماريين، والأنظمة الاستبدادية التي أتت بعده واستمرت بتدمير كامل الفضاء السياسي في الدولة العربية القُطْرية ما بعد الاستعمارية المصممة سلفا لتكون تابعة فاقدة للسيادة. هكذا انساق كثير من المعلّقين خلف أشكال الدعاية السلطوية عن “إسلام معتدل” و”إسلام متطرّف”، والتركيز على “داعش” دون الإشارة إلى البنى التي أنتجت “داعش”، ودون النظر إلى “داعش” بأدوات تحليل الاقتصاد السياسي.

الظواهر التكفيرية تحولت إلى ظواهر "لا تاريخية"، والأنظمة العربية إلى بنى "حامية" للمجتمعات بعد أن كانت قبل أقل من عقد دولة قمعية استبدادية تابعة فاسدة

بهذا تحوّلت الظواهر التكفيرية إلى ظواهر “لا تاريخية”، والأنظمة العربية إلى بنى “حامية” للمجتمعات بعد أن كانت قبل أقل من عقد دولة قمعية استبدادية تابعة فاسدة. أما الكثير من المثقفين فمستمرّون في توسّل السلطة، وأضيف إلى مهماتهم المجيدة تسوّل الجوائز والنجومية.

قبل شهر طُلب مني تقديم ورقة في دارة الفنون في عمّان حول أهم الكتب الأدبية في الربع الأخير من القرن العشرين، ولاحظت أثناء العمل أن أعلام تلك المرحلة كانوا نجومها بشكل عامّ، وإن كان نتاجهم يتراوح نوعيا فيصعد حينا ويهبط حينا آخر، يصرّح تارة ويلمّح طورا، إلا أنهم كانوا في مجملهم ومجمل أعمالهم أصحاب مشاريع كتابية/ ثقافية، لا يتوانون عن النقد الحاد والسافر والغوص العميق في الظواهر التي يقاربونها.

ولعل الربع الأخير من القرن العشرين هو الزمن الأخير الذي يجتمع فيه المشروع الثقافي الإبداعي الجديّ المتمكن مع الانتشار قبل أن يفترقا بعدها، ولنا أن نقارن حال ذلك الزمن بحال نجوم مرحلتنا الحالية ومشاريعهم المتركزة حول الذات والشهرة ولمّ الجوائز وكتابة ما يطلبه الجمهور. أما حول أفضل ما قرأت في السرد فبالإمكان تسمية “كفن للموت” لعبدالرزاق بوكبة و”مصحة الدمى” لأنيس الرافعي (وهما مجموعتان قصصيتان مبتكرتان)، وفي الفكر أسمّي كتاب علي قادري وهو كتاب يطرح بالأمثلة والدلائل فكرة قديمة جديدة تبيّن الكيفية التي تمت بها إعاقة التنمية في العالم العربي بل وتخريبها على يد الأنظمة العربية باعتبار هذه الإعاقة مصدرا للربح، سواء للأنظمة نفسها أو لرعاتها الأمبرياليين، ويقدّم الكتاب تصوّرا حول اللاتنمية والحروب بصفتها غايات في حدّ ذاتها لا وسائل، وانطلاقا من هذه الأرضيات يشرح لما فشلت الانتفاضات العربية كتحرّكات قامت ضمن فضاءات سياسية مفقرة ومنتهكة وممسوحة بالكامل من قبل الأنظمة ومن قبلها الاستعمار، ولعل أحدا يلتفت إلى هذا الكتاب فينقله إلى العربية.

على صعيد السينما، أودّ الإشارة إلى فيلم “ذيب” للمخرج ناجي أبونوار، وهو أول فيلم من الأردن يقدم مشهدية سينمائية رفيعة المستوى على صعيد الصورة، وإن كان يشوب القصة بعض ضعف، كما أودّ الإشارة إلى تجارب ممتازة في سياق الموسيقى غير التجارية، فبرأيي أن مشهد هذه الموسيقى في الأردن يأتي في مقدمة ما ينتج عربيا على هذا الصعيد، خصوصا الاشتغالات التي تقدّمها فرقة “المربع” (روك) و”كاز الأمم” (راب)، بالإضافة إلى أغنية “عُنْصُرْ فَلَتْ” لفرقة “زائد ناقص” مع محمد عبدالله، الممتازة بكلماتها وموسيقاها وجودة إنتاجها.

12